والاضطرار يحصل من كلّ المواقع والجهات ، فقد يقع العبد مضطرّاً أمام الظالم ، فيكون مستثنى ، وعليه إظهار خلاف ما يكتم .
فهذا هو جواب القرآن الكريم حول موقفه من التقيّة .
مصاديق التقيّة في التأريخ
أمّا الموارد التي حدثت فيها التقيّة في زمن رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وأجازهم عليها ، فهي كثيرة جدّاً ، منها أنّ النبي أرسل مجموعة من المسلمين لقتل كعب بن الأشرف ، فقالوا : يا رسول الله ، أتأذن لنا أن ننال منك ؟ فأذن لهم ( 1 ) .
ويقول الطبري : ( إنّ الحجّاج بن غلاط السليمي وبعد فتح المسلمين لخيبر استأذن رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) للذهاب إلى مكّة لجمع أمواله ، وأذِن له النبي ، فلمّا قرب من مكّة رأى رجالاً من المشركين يتصيّدون الأخبار ، ولم يعلموا بإسلامه ، فسألوه عن ذلك ، فقال لهم : وعندي من الخبر ما يسرّكم ، قال : فالتاطوا بجنبي ناقتي يقولون : إيه يا حجّاج ، قال : قلت : هزيمة لم تسمعوا بمثلها قط ، وأخبرهم بأنّ المسلمين قد هُزِموا في خيبر ، وأُسِر رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، مع علمه بأنّ المسلمين فتحوا خيبر ) ( 2 ) .
ويقول البخاري نقلاً عن عائشة : ( إنّ رسول الله استأذن عليه رجل للدخول عليه ، فقال : « ائذنوا له ، فبئس ابن العشيرة - أو - بئس أخو العشيرة » ، فلمّا دخل ألان له الكلام ، فقلت له : يا رسول الله - والكلام لعائشة - قلتَ ما قلت ، ثمّ ألنت له في القول ؟ فقال ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : « أي عائشة ، إنّ شرّ الناس منزلة عند الله من تركه أو ودعه الناس اتقاء فحشه » ) ( 3 ) . ونقل البخاري رواية أُخرى تدلّ على التقيّة من رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ( 4 ) .
هامش
( 1 ) ابن العربي ، أحكام القرآن : ج 2 ، ص 1257 .
( 2 ) تاريخ الطبري : ج 2 ، ص 305 ، حوادث سنة 7 ه ؛ الكامل لابن الأثير : ج 2 ، ص 223 .
( 3 ) صحيح البخاري : ج 8 ، ص 38 ، كتاب الأدب ، باب المواراة مع الناس ؛ سنن أبي داود : ج 4 ، ص 251 ، ح 4791 .
( 4 ) صحيح البخاري : كتاب الأدب ، باب المداراة مع الناس ، 5780 .