والذي يكتم كيف يمكنه أن يذكر هذه الكلمات مع فرعون ؟ ولهذا السبب حصل هنا قولان :
الأوّل : أنّ فرعون لمّا قال : ذروني أقتل موسى ، لم يصرّح ذلك المؤمن بأنّه على دين موسى ، بل أوهم أنّه مع فرعون وعلى دينه ، إلاّ أنّه زعم أنّ المصلحة تقتضي ترك قتل موسى ، لأنّه لم يصدر عنه إلاّ الدعوة إلى الله ، والإثبات بالمعجزات القاهرة ، وهذا لا يوجب القتل ، والإقدام على قتله يوجب الوقوع في ألسنة الناس بأقبح الكلمات .
الثاني : أنّ مؤمن آل فرعون كان يكتم إيمانه أوّلاً ، فلمّا قال فرعون ( ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى ) أزال الكتمان وأظهر كونه على دين موسى وشافه فرعون بالحق ) ( 1 ) .
المهم من القولين أنّ الرجل كتم إيمانه ، وهذا يكفي لإثبات التقيّة التي اتبعها الرجل خوفاً على نفسه .
وقال تعالى : ( وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ) ( 2 ) .
وكلّ مورد يتخلّص العبد فيه من إلقاء نفسه في التهلكة أي يظهر خلاف ما يكتم هو مصداق الآية ، وهذه هي التقيّة ، وهذا المعنى يصدق على الآيات : ( لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسَاً إِلاَّ مَا آتَاهَا ) ( 3 ) ، ( يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ) ( 4 ) ، ( ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) ( 5 ) .
وقال تعالى أيضاً : ( أَلاَّ تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطَرِرْتُمْ إِلَيْهِ ) ( 6 ) .
هامش
( 1 ) التفسير الكبير : ج 27 ، ص 53 .
( 2 ) البقرة : آية 195 .
( 3 ) الطلاق : آية 7 .
( 4 ) البقرة : آية 185 .
( 5 ) فصّلت : الآية 34 .
( 6 ) الأنعام : آية 119 .