وحسم مادّة الفتن ، وأنّ الإمام لطف يمنع القاهر من التعدّي ، ويحمل الناس على فعل الطاعات واجتناب المحرّمات ، ويقيم الحدود والفرائض ، ويؤاخذ الفسّاق ، ويعزّر من يستحقّ التعزير ، فلو جازت عليه المعصية وصدرت عنه ، انتفت هذه الفوائد وافتقر إلى إمام آخر ، وتسلسل [ 1 ] .
وخالفت السنّة في ذلك ، وذهبوا إلى جواز إمامة الفسّاق والعصاة والسرّاق [ 2 ] ، كما قال الزمخشري - وهو من أفضل علمائهم - :
« لا كالدوانيقي المتلصّص » [ 3 ] ! يشير به إلى المنصور [ 4 ] .
فأيّ عاقل يرضى لنفسه الانقياد الديني والتقرّب إلى اللَّه تعالى بامتثال أوامر من كان يفسق طول وقته وهو غائص في القيادة وأنواع الفواحش ، ويعرض عن المطيعين المبالغين في الزهد والعبادة ؟ ! وقد أنكر اللَّه تعالى بقوله :
هامش
[ 1 ] الذخيرة في علم الكلام : 429 - 431 ، شرح جمل العلم والعمل : 192 ، المنقذ من التقليد 2 / 278 ، تجريد الاعتقاد : 221 - 222 .
[ 2 ] انظر : أصول السنّة - لأحمد بن حنبل - : 80 ، الأحكام السلطانية - للفرّاء - :
24 ، الإرشاد - للجويني - : 358 ، شرح المقاصد 5 / 257 ، شرح العقائد النسفية :
239 - 241 ، إتحاف السادة المتّقين 2 / 233 .
[ 3 ] تفسير الكشّاف 1 / 309 .
[ 4 ] هو : أبو جعفر عبد اللَّه بن محمّد بن علي بن العبّاس ، الملقّب بالمنصور ، ولد سنة 95 ه ، وكان يلقّب في صغره بمدرك التراب وبالطويل كذلك ، ثمّ لقّب في أيّام حكومته بأبي الدوانيق والدوانيقي ، لبخله ومحاسبته الصّنّاع على الدوانيق والحبّات . . وأمّه سلَّامة البربريّة ؛ أباد جماعة كبارا حتّى توطَّد له الملك ودانت له الأمم على ظلمه ، توفّي سنة 158 ه .
انظر : مروج الذهب 3 / 281 ، تاريخ بغداد 10 / 53 رقم 5179 ، سير أعلام النبلاء 7 / 83 رقم 37 ، تاريخ الخميس 2 / 324 .