ثمّ اعلم أنّه سنح لي - بعد التأمّل في مسألة الرؤية - أنّ المنازعة فيها قريبة بالمنازعات اللفظية ، وهذا شيء ما أظنّ سبقني إليه أحد من علماء السلف .
وذلك أنّ المعتزلة ومن تابعهم من الإمامية ، من نفاة الرؤية ، يذكرون في معنى الحديث المشهور ، وهو
قوله صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « سترون ربّكم كما ترون القمر ليلة البدر » [ 1 ]
أنّ المراد الانكشاف التامّ العلمي ، الذي لم يحصل في هذه النشأة الدنيوية ، وسيحصل هذا الانكشاف في النشأة الثانية .
والأشاعرة - المثبتون للرؤية - ذكروا : أنّ المراد بالرؤية حالة يخلقها اللَّه في الحيّ ، ولا تشترط بضوء ، ولا مقابلة ، ولا غيرهما من الشرائط [ 2 ] .
ثمّ ذكر الشيخ الأشعري في إدراكات الحواسّ [ الخمس ] الظاهرة :
أنّها علم بمتعلَّقاتها [ 3 ] .
فالإبصار - الذي هو عبارة عن الإدراك بالباصرة - يكون علما بالمبصرات ، وليست الرؤية إلَّا إدراكا بالباصرة .
فعلى هذا تكون الرؤية علما خاصّا وانكشافا تامّا ، غاية الأمر أنّه حاصل من هذه الحاسّة المخصوصة .
فظهر اتّفاق الفريقين على إنّ رؤية اللَّه تعالى - التي دلَّت عليها الأحاديث - هي : العلم التامّ ، والانكشاف الكامل .
هامش
[ 1 ] انظر : صحيح البخاري 1 / 230 ح 31 وج 9 / 228 ح 62 ، صحيح مسلم 1 / 112 وج 2 / 114 ، الإبانة عن أصول الديانة : 64 ، تفسير البغوي 3 / 199 ، تفسير الرازي 13 / 139 .
[ 2 ] شرح المواقف 8 / 116 .
[ 3 ] انظر : شرح المواقف 7 / 202 - 204 .