والوزراء ، والقضاة ورؤساء الناس يحضرون مجلسه ، وهم في غاية ما يكون من الأدب معه ، والاتضاع « 1 » له ، وإذا خاطبوه فكأنما يخاطبون ملكا عظيما ، وكان ينفق على من يرد عليه نفقة متسعة ، ويعطي من يده عطاء جزيلا ، ولم يكن يتسبب في تحصيل شيء من الدنيا ، ولا يقبل من أحد شيئا .
أما قصة وفاته ، فقد ذكرها سبطه الشيخ علي على النحو التالي قال :
إن الشيخ كان يتردد إلى المسجد المعروف بالمشتهى في أيام النيل ، ويحب مشاهدة البحر وقال من الأبيات فيه :
وطني مصر وفيها وطري
ولعييّ مشتهاها مشتهاها
فتوجه إليه أي إلى المشتهى يوما فسمع قصارا « 2 » يقصر ويضرب مقطعا على حجر ويقول :
قطع قلبي هذا المقطع ، ما قال أي ما كان يصفو أو يتقطع .
فما زال الشيخ يصرخ ويكرر هذا السجع ، ساعة بعد ساعة ، ويضطرب اضطرابا شديدا ، وينقلب إلى الأرض ثم يسكن اضطرابه ، حتى يظهر أنه مات ، ثم يستفيق ويتكلم معنا بكلام صوفي ما سمعنا مثله قط ، ولا نحسن أن نعبر عنه ، ثم يضطرب على كلامه ويعود إلى حال وجده ، ودخل إلينا رجل من أصحابه فلما رآه وشاهد حاله قال :
أموت إذا ذكرتك ثم أحيا
فكم أحيا عليك وكم أموت
فوثب الشيخ قائما واعتنقه ، وقال له : أعد ما قلت ، فسكت الرجل شفقة منه عليه ، وسأله أن يرفق بنفسه ، وذكر له شيئا من حاله عند غلبة الوجد عليه فقال :
إن ختم الله بغفرانه
فكل ما لاقيته سهل
هامش
« 1 » الاتضاع : التواضع .
« 2 » القصار : الذي يصنع الحجارة للبيوت وغيرها .