الكل يعلم - سواء استمد علمه هذا من عقيدة دينية أو من الفطرة - أنه ميت وماض
إلى حياة أخرى ، وحتى أولئك الماديون فإنهم إنما ينفون هذا لفظا وجدلا لا يقوى على
إقناع أو حجة بل يقرون بذلك فطرة أخفوها من خلف مكابراتهم ومرائهم .
إن الحياة لا تنتهي بالموت ، وإنما الموت انتقال إلى الحياة الثانية التي تبدأ بما يسمى
بالحياة البرزخية . وفي الواقع أنه بالموت يبدأ كل شئ ، فالحياة الدنيا ليست سوى تلك
الأعمال التي يتصدى لها الإنسان فيها منذ ولادته إلى يوم ارتحاله ، والحياة الأخرى
ليست سوى حضور تلك الأعمال التي تصدى لها الإنسان في حياته الدنيا بذواتها منذ
بلوغه التكليف ثم حصحصتها بلا تجاوز لصغيرة ولا كبيرة . وعلى هذا الأساس
- فالناس - وهم في حياتهم الدنيا - سواسية من حيث إن لهم اكتساب هذه الفرصة
للتحصيل والتزود كل على قدر ارتباطه بخالقه والتزامه بتكاليفه . وهم بذلك على قدر
وافر من الاختيار ، بل دون جبر يحول بينهم وبين اكتساب هذه الفرصة السانحة التي
لا تتكرر . وطبقا لذلك فهم سواسية أيضا من حيث الثواب والعقاب في الحياة الأخرى ،
كل طبقا لما اكتسبه في حياته الأولى وما انتخبه من نهج فيها .
إذا فالحياة الأولى مرحلة الاكتساب والتزود ، والموت هو لحظة الانتقال إلى الحياة
الثانية التي هي حياة الاستقرار الأبدي لما اكتسبه وتزود به سابقا ( ليجزي الله كل
نفس ما كسبت إن الله سريع الحساب ) ( 1 ) .
إن الحياة التي يحرزها الإنسان في آخرته بلا شك هي حياة أبدية ويمكن للفرد أن
يتصور ويمعن الفكر بعمق في معنى تلك الحياة الأبدية ، مع العلم بأن الأبدية تعني إلى
جانب عدم الانقطاع والانصرام اللا عودة واللا رجعة لترتيب الأمور وإصلاح ما فسد منها ،
إذا أن ذلك أمر ممنوع ولا مجال له قط . فليتصور الإنسان ذلك ، وليضع نفسه مرة في
موضع من حالفه التوفيق في تلك الحياة الأبدية ، ومرة في موضع الذي جانبه التوفيق
وحدث على أقل تقدير تقصير في أعماله فأصابه نوع من الشقاء فيها ، وليذوق طعم
الحياتين في الحالتين معا ، حتى يتبين له الفرق الشاسع وخطورة الموقف ، حتى تتبين
هامش
( 1 ) إبراهيم : 51 .