الدولة العباسة وتبعثر أوصالها ( 1 ) كنتيجة منطقية لحالات الضعف المتوالية التي
أوجدها أسلوب الحكم الخاطئ وفساد سدنته ورموزه ، واستشراء ذلك في عموم
أجهزته بشكل معلن غير خفي ، كل ذلك أدى إلى انحسار ظل هذه الدولة المقيت ،
وتراخي حلقاتها التي كانت أشد إحكاما على الشيعة وأئمتهم وعلمائهم ، فكان
ذلك إيذانا بفتح أبواب الاحتدام الفكري على مصراعيه قبالة دعاة المذاهب المختلفة
وروادها والتي كانت تموج بها الساحة الإسلامية آنذاك .
والتأمل العابر لمجمل التراث الفكري والعقائدي الذي تمخضت عنه تلك الحقبة
الخصبة والمعطاء يظهر بجلاء أبعاد تلك المناظرات وأشكالها المختلفة وما تتسم به ،
فالجدال في مسائل الجبر والاختيار ، والقدم والحدوث ، وصفات الله تعالى ،
والإمامة ، والعصمة ، والنص والاختيار ، وغير ذلك من المباحث التي لا يعسر على
أحد إدراكها ومعرفتها ، يعد السمة الغالبة للمناهج الفكرية الطاغية على حلقات
البحث ومطاوي الكتب ، والتي تتطلب إحاطة واسعة بالكثير من تلك العلوم من
قبل المناظر والباحث ، وهذا ما وفق إليه علماء الشيعة ومفكروها بشكل واضح
جلي .
حقا لقد كانت الساحة الفكرية وحتى عصر قريب من هذا العصر - وإلى
حد ما - حكرا على فريقين متعارضين تناطحا طويلا فيما بينهما ، واقتسما -
بفعل تقديم وتأخير السلطة لا حدهما على الآخر بين آونة وأخرى لأغراض
وأسباب شتى - تلك الساحة ، بيد إن ما ذكرناه من حالة تراخي قبضة السلطة عن
علماء الشيعة ومفكريهم ، وتعاطف البويهيين - الذي أحكموا قبضتهم على بغداد
آنذاك -
هامش
( 1 ) استقلت الكثير من المدن الإسلامية الكبرى أبان تلك الحقبة عن الحكومة
المركزية التي لم يعد لها سوى وجود رمزي في بغداد ، فقد استقلت الموصل
وأطرافها بأيدي الحمدانيين ، واستقل بنو بويه بفارس والري وأصفهان والجبل ، وأما
خراسان فكانت حصة السامانيين ، والأهواز والبصرة وواسط للبريدين ، والبحرين
للقرامطة ، وطبرستان للديلم ، وكرمان لمحمد بن إلياس .