على حسب شهوتك وسهولته عليك وقال أيضا بعض العلماء لست أطلب العلم طمعا في بلوغ غايته والوقوف على نهايته ولكن التماس ما لا يسع جهله ولا يحسن بالعاقل إغفاله وقال آخرون علم الملوك النسب والخبر وجمل الفقه وعلم التجار الحساب والكتاب وعلم أصحاب الحرب درس كتب المغازي وكتب السير فأما أن تسمي الشيء علما وتنهي عنه من غير أن يكون شيء يشغل عما هو أنفع منه بل تنهى نهيا جزما وتأمر أمرا حتما والعلم بصر وخلافه عمى والاستبانة للشر ناهية عنه والاستبانة للخير آمره به
ولما قرأ المأمون كتبي في الإمامة فوجدها على ما أمر به وصرت إليه وقد كان أمر اليزيدي بالنظر فيها ليخبره عنها قال لي قد كان بعض من نرتضي عقله ونصدق خبره خبرنا عن هذه الكتب بإحكام الصنعة وكثرة الفائدة فقلت قد تربي الصفة على العيان فلما رأيتها رأيت العيان قد أربى على الصفة فلما فليتها أربى الفلي على العيان كما أربى العيان على الصفة وهذا كتاب لا يحتاج إلى حضور صاحبه ولا يفتقر إلى المحتجين عنه قد جمع استقصاء المعاني واستيفاء جميع الحقوق مع اللفظ الجزل والمخرج السهل فهو سوقي ملوكي وعامي خاصي
مجادلة المأمون للخراساني المرتد
ولما دخل عليه المرتد الخراساني وقد كان حمله من خراسان حتى وافى به العراق قال له المأمون :
لأن أستحييك بحق أحب إلي من أن أقتلك بحق ولان أقبلك بالبراءة أحب إلي من أن أدفعك بالتهمة قد كنت مسلما بعد ان كنت نصرانيا وكنت فيها أتيح وأيامك أطول فاستوحشت مما كنت به آنسا ثم لم تلبث ان رجعت عنا نافرا فخبرنا عن الشيء الذي أوحشك من الشيء الذي صار آنس لك من الفك القديم وأنسك الأول فان وجدت عندنا دواء دائك تعالجت به والمريض من الأطباء يحتاج إلى المشاورة وان أخطأك الشفاء ونبا عن دائك الدواء كنت قد أعذرت ولم ترجع على نفسك بلائمة فان قتلناك بحكم الشريعة أو ترجع أنت في نفسك إلى الاستبصار والثقة وتعلم انك لم تقصر في اجتهاد ولم تفرط في الدخول في باب الحزم ؟
البيان والتبيين — صفحة 558
مساهمون: الجاحظ
ص٥٥٨