سياسة المنصور في العفو عن المسئ
ولما احتال أبو الأزهر بالمهلب بن عبيثر المهري لعبد الحميد بن ربعي بن خالد ابن مغداق وأسلمه إلى حميد بن قحطبة وأسلمه حميد إلى المنصور قال لا عذر فأعتذر وقد أحاط بي الذنب وأنت أولى بما ترى قال لست أقتل أحدا من ال قحطبة بل أهب مسيئهم إلى محسنهم وغادرهم لوفيهم قال إن لم يكن في مصطنع فلا حاجة لي في الحياة ولست أرضى أن أكون طليق شفيع وعتيق ابن عم قال اسكت مقبوحا مشقوحا أخرج فإنك أنوك جاهل أنت عتيقهم وطليقهم ما حييت
ولما داهن سفيان بن معاوية بن يزيد بن المهلب في شأن إبراهيم بن عبد الله وصار إلى المنصور أمر الربيع بخلع سواده والوقوف به على رؤوس اليمانية في المقصورة يوم الجمعة ثم قال قل لهم يقول لكم أمير المؤمنين قد عرفتم ما كان من إحساني إليه وحسن بلائي عنده وقديم نعمتي عليه والذي حاول من الفتنة ورام من البغي وأراد من شق العصا ومعاونة الأعداء وإراقة الدماء وأنه قد استحق بهذا من فعله أليم العقاب وعظيم العذاب وقد رأى أمير المؤمنين إتمام بلائه الجميل لديه ورب نعمائه السابقة عنده لما يتعرفه أمير المؤمنين من حسن عائدة الله عليه وما يؤمله من الخير العاجل والآجل عند العفو عمن ظلم والصفح عمن أساء وقد وهب أمير المؤمنين مسيئهم لمحسنهم وغادرهم لوفيهم
وصف المأمون لصنوف العلم
وقال سهل بن هارون يوما وهو عند المأمون من أصناف العلم ما لا ينبغي للمسلمين ان يرغبوا فيه وقد يرغب عن بعض العلم كما يرغب عن بعض الحلال
قال المأمون قد يسمى بعض الناس الشيء علما وليس بعلم فان كنت أردت هذا فوجهه الذي ذكرنا ولو قلت إن العلم لا يدرك غوره ولا يسبر قعره ولا تبلغ غايته ولا يستقصي أصنافه ولا يضبط آخره فالأمر على ما قلت فإذا كان الأمر كذلك فابدأوا بالأهم فالأهم وابدأوا بالفرض قبل النفل فإذا فعلتم ذلك كان عدلا وقولا صدقا وقد قال بعض العلماء اقتصد من أصناف العلم ما هو أشهى إلى نفسك واخف على قلبك فان نفاذك فيه
البيان والتبيين — صفحة 557
مساهمون: الجاحظ
ص٥٥٧