من هؤلاء الشعوبية ولا أعدى على دينه ولا أشد استهلاكا لعرضه ولا أطول نصبا ولا أقل غنما من أهل هذه النحلة وقد شفى الصدور منهم طول جثوم الحسد على أكبادهم وتوقد نار الشنان في قلوبهم وغليان تلك المراجل الفائرة وتسعر تلك النيران المضطرمة ولو عرفوا أخلاق كل ملة وزي كل لغة وعللهم في اختلاف إشارتهم وآلاتهم وشمائلهم وهيآتهم وما علة كل شيء من ذلك ولم اختلقوه ولم تكلفوه لأراحوا أنفسهم ولخفت مؤونتهم على من خالطهم
والدليل على أن أخذ العصا مأخوذ من أصل كريم ومن معدن شريف ومن المواضع التي لا يعيبها إلا جاهل ولا يعترض عليها إلا معاند اتخاذ سليمان ابن داود صلوات الله تعالى وسلامه على نبينا وعليه العصا لخطبته وموعظته ولمقاماته وطول صلاته ولطول التلاوة والانتصاب فجعلها لتلك الخصال جامعة قال الله عز وجل وقوله الحق « فلما قضينا عليه الموت ما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين » والمنسأة هي العصا وقال أبو طالب حين قام بدم الرجل الذي ضرب زميله بالعصا فقتله حين تخاصما في حبل وتجاذبا :
أمن أجل حبل لا أباك علوته * بمنسأة قد جاء حبل وأحبل
وقال آخر :
إذا دببت على المنساة من كبر * فقد تباعد عنك اللهو والغزل
قال أبو عثمان وإنما بدأنا بذكر سليمان على نبينا وعليه الصلاة والسلام لأنه من أنبياء العجم والشعوبية إليهم أميل وعلى فضائلهم أحرص ولما أعطاهم الله أكثر وصفا وذكرا وقد جمع الله لموسى بن عمران في عصاه من البرهانات العظام والعلامات الجسام ما عسى ان يفي ذلك بعلامات عدة من المرسلين وجماعة من النبيين قال الله تبارك وتعالى فيما يذكر في عصاه « إن هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما » إلى قوله « ولا يفلح الساحر حيث أتى » فلذلك قال الحسن بن هانئ في شأن خصيب وأهل مصر حين اضطربوا عليه :
فان تك من فرعون فيكم بقية * فان عصا موسى بكف خصيب
البيان والتبيين — صفحة 406
مساهمون: الجاحظ
ص٤٠٦