والحاصل : أن من الناس من نفى النقل مطلقا في الدينية والشرعية كالقاضي ومن أثبته مطلقا كالمعتزلة ومن فرق بين الدينية والشرعية فأثبت الشرعية ونفى الدينية وهو المختار ولم يقل أحد بعكسه فالقاضي يقول إنها مقرة على حقائقها في اللغة لم تنقل ولم يزد فيها وبعض الفقهاء يقول كذلك زيد في الاعتداد بمدلولاتها أمور أخرى والإمام الرازي يقول إنها مقرة على مجازاتها اللغوية والمعتزلة يقولون نقلت عن معانيها اللغوية نقلا بالكلية إلى معان أخرى شرعية من غير مراعاة النقل إلى المجاز اللغوي وإمام الحرمين والغزالي يقولان استعملها الشارع مجازات ثم اشتهرت فصارت حقائق شرعية لغلبتها فيما نقلت إليه وهو قريب من مذهب الرازي ولهذا نقل الهندي عن هؤلاء الثلاث أنهم أثبتوا من المنقولات الشرعية ما كان لغويا كما في الحقائق العرفية دون ما ليس كذلك بأن كان منقولا عنها بالكلية وهو مخالف للقولين الأوليين أما الأول فظاهر لأن القاضي نفى النقل جملة وأما مذهب المعتزلة فإنهم لم يشترطوا في النقل أن يكون المنقول إليه مجازا لغويا .
وقال ابن برهان : عندنا أن هذه الألفاظ مجازات بالنسبة إلى وضع اللغة فإنه أفيد بها ما لم يوضع له وهي حقائق بالنسبة إلى وضع الشرع فإنه لم يضعها إلا لتلك المعاني ويجوز أن يكون اللفظ الواحد حقيقة ومجازا باعتبارين وتوقف الآمدي في المسألة فلم يختر شيئا .
تنبيهان
[ التنبيه ] الأول
هذا الخلاف يضمحل إذا حقق الأمر وذلك أنهم اتفقوا على أن هذه الأسماء يستفاد منها في الشرع زيادة على أصل وضع اللغة لكن اختلفوا هل ذلك المعنى يصير تلك الأسماء موضوعة كالوضع الابتدائي من قبل الشرع أو هي مبقاة على الشرع أو هي مبقاة على الوضع اللغوي والشرع إنما تصرف في شروطها وأحكامها فهذا موضع الخلاف وإذا قلنا بأن الشارع تصرف فيها فذكر القاضي الحسين في كتاب الصيام من تعليقه كيفية ذلك فقال الأسماء التي نقلها الشارع من اللغة إلى الشرع على ثلاثة أقسام :
أحدها : ما زاد فيه من كل وجه كالصلاة فإنها في اللغة الدعاء فأبقاها الشارع على معنى الدعاء وزاد القراءة والركوع والسجود .
البحر المحيط في أصول الفقه — صفحة 523
مساهمون: الزركشي
ص٥٢٣