فائدة
[ تكليف المتمكن ووقوع التكليف بالممكن ]
قال الإمام في « البرهان » يكلف المتمكن ويقع التكليف بالممكن قال بعض علمائنا قوله يكلف المتمكن بناه على أصله في تقدم القدرة على المقدور فإن مذهبه في البرهان صحة ذلك وهو خلاف ما يراه في كتب الكلام فأما على ما نراه نحن من اقتران القدرة بالمقدور فلا يشترط ذلك على معنى أنه لا يكلف إلا قادر وإن أطلقنا أنه لا يكلف إلا متمكن فإنما نريد به أنه لا يكلف في الواقع إلا من لا يتحقق عجزه عن إيقاع المطلوب فأما اشتراط تحقيق الإمكان الذي هو الاقتدار فغير معتبر بل لا سبيل إلى علمه أبدا في جريان العادة إلا بعد العمل ومن المتعذر أن يشترط في توجه التكليف علم ما لم يعلم إلا بعد الامتثال .
مسألة
[ المعدوم الذي تعلق العلم بوجوده مأمور ]
المعدوم الذي تعلق العلم بوجوده مأمور عندنا بالأمر الأزلي خلافا للمعتزلة .
وأصل الكلام في هذه المسألة : أن أصحابنا لما أثبتوا الكلام النفسي وأن الله تعالى لم يزل آمرا ناهيا مخبرا قيل عليهم من قبل الخصوم القائلين بحدوثه إن الأمر والنهي بدون المخاطب عبث فاضطرب الأصحاب في التخلص من ذلك على فرقتين .
إحداهما : قالت إن المعدوم في الأزل مأمور على معنى تعلق الأمر به في الأزل على تقدير الوجود واستجماع شرائط التكليف لا أنه مأمور حال عدمه فإن ذلك مستحيل بل هو مأمور بتقدير الوجود بمعنى أنه يجوز أن يكون الأمر موجودا في الأزل ثم إن الشخص الذي سيوجد بعد ذلك يصير مأمورا بذلك الأمر وهذا مفرع على إثبات كلام النفس ولم يقل به إلا الأشاعرة هكذا نقلوه عن الشيخ أبي الحسن منهم ابن القشيري .
قال إلكيا : تعلق الأمر على تقدير الوجود معه الأكثرون وجوزه الأشعري بل أوجبوه لأن أمر الله قديم ولا مخاطب أزلا وأنكره المعتزلة مستمسكين بأن الأمر طلب ولا يعقل الطلب من المعدوم فقيل هذا الطلب لا متعلق له فإن المعدوم يستحيل أن يكون مخاطبا أو متعلقا فإنه نفي وإذا قلت النفي متعلق فكأنك قلت :
البحر المحيط في أصول الفقه — صفحة 303
مساهمون: الزركشي
ص٣٠٣