خلق شئ ، ولا حفظ شئ عن حفظ شئ ، ولا يساوى به شئ ، ليس كمثله شئ ، وهو
السميع البصير .
سبحان الله بارئ النسم ، سبحان الله الذي لا يحصي نعماءه العادون ، ولا يجزي
بآلائه الشاكرون المتعبدون ، وهو كما قال وفوق ما نقول ، والله كما أثنى على نفسه
ولا يحيطون بشئ من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السماوات والأرض ولا يؤده حفظهما
وهو العلي العظيم ( 1 ) .
بيان : هذا الدعاء سيأتي برواية أبي بصير في أدعية شهر رمضان وهو أكثر مما
أورده هنا ، ولعله وصل إليه بروايتين ، فذكر في كل موضع برواية وسنورد شرحه هناك
إنشاء الله تعالى .
85 - المتهجد وغيره : ذكر ابن خانبه ( 2 ) أنه يستحب أن يدعو بعد الوتر
فيقول : سبحان ربي الملك القدوس الحي العزيز الحكيم ثلاث مرات ثم يقول :
هامش
( 1 ) مصباح المتهجد : 117 - 119 .( 2 ) هو أحمد بن عبد الله بن مهران الكرخي المعروف بابن خانبه ، روى الكشي
عن علي بن محمد القتيبي قال حدثني أبو طاهر محمد بن علي بن بلال - وسألته عن أحمد
عبد الله الكرخي ، إذ رأيته يروى كتبا " كثيرة عنه - فقال : كان كاتب إسحاق بن إبراهيم
فتاب وأقبل على تصنيف الكتب ، وكان أحمد من غلمان يونس بن عبد الرحمان رحمه الله
ويعرف به ، ويعرف بابن خانبه ، كان من العجم .
ونقل عن البحراني أنه استشكل في رواياته لكونه من كتاب الظلمة ، وأجاب عنه
المامقاني بأن سكوته في حال توبته يكشف عن صحة رواياته الأولى ، وعلق عليه التستري
في قاموسه بأن الصواب في الجواب أن يقال : إنه وقت كونه من كتاب الظلمة كان في
ديوان رسائلهم في كتبهم إلى الأطراف ولم تكن له رواية حتى تصح أو لا تصح ، مع أنه بعد
ما تاب لم يرو رواية أيضا " كما عرفت من الشيخ ( انه ما ظهر له رواية وصنف كتاب التأديب
وهو كتاب يوم وليلة ) مع أنه قد ورد الخبر من العسكري عليه السلام بصحة كتابه
والعمل به .
أقول : أما الرواية ، فقد ذكر الأردبيلي أنه روى في باب فضل الصلاة من
أبواب زيادات التهذيب وفى باب صوم المتمتع إذا لم يجد الهدى من كتاب حج الكافي
ترى الأول في التهذيب ج 1 ص 204 ط حجر ج 2 ص 240 باسناده عن سعد ، عن أحمد
ابن هلال ، عن أحمد بن عبد الله الكرخي ، عن يونس بن يعقوب ، عن أبي عبد الله عليه السلام
( وأظنه تصحيفا " من يونس بن عبد الرحمن فليتحرر ) وترى الثاني في الكافي ج 4 ص 510
باسناده عن بعض أصحابنا عن محمد بن الحسين ، عن أحمد بن عبد الله الكرخي قال : قلت
للرضا عليه السلام المتمتع يقدم الحديث ( وأظنه عن أحمد بن عبد الله ، عن يونس بن عبد الرحمن ) .
وأما الخبر الذي ورد عن الامام صاحب العسكر بصحة كتابه وأشار إليه المؤلف العلامة
في المتن وصححه على ما سيأتي ، فهو الذي نقله ابن طاوس عن أبي محمد هارون بن موسى
قال : حدثنا أبو علي الأشعري - وكان قائدا " من القواد - عن سعد بن عبد الله الأشعري قال :
عرض أحمد بن عبد الله بن خانبة كتابه على مولانا أبى محمد الحسن بن علي بن محمد صاحب
العسكر الاخر ، فقرءه وقال : صحيح فاعملوا به .
ولكن في الحديث وهم يخرجه عن الصحة ، فان أحمد بن خانبه مات في
سنة 234 بعد ولادة أبي محمد عليه السلام بسنتين ، فلا يعقل أن يعرض هو كتابه على أبى محمد
عليه السلام بنفسه ، كما كان صريح كلام سعد على ما نقله ابن طاووس .
وقصارى ما يحتمل في صدق الحديث أن يكون أصل العرض والتصويب مشهورا " مشتهرا "
عند الأصحاب بحيث يرسل ارسال المسلمات ، فتوهم سعد أو أحد رواته أن أحمد بن خانبه
هو الذي عرض كتابه على أبى محمد عليه السلام بنفسه فنقله بهذه الصورة ، فأصل الخبر صدق
فان سعد بن عبد الله أجل قدرا " من أن يقول ما لا يعلم ، الا أن الحديث مرسل وليس على
ما صححه العلامة المؤلف رضوان الله عليه .
بيان ذلك أن ابن خانبة كان كاتبا " من غلمان يونس بن عبد الرحمان مولى آل يقطين
يكتب له كتبه ويعينه في ذلك ويصنف له على ما سيمر عليك من معنى التصنيف ، ومما كتبه
وصنفه كتاب التأديب ( كتاب عمل اليوم والليلة ) ولما كان تأليف دعواته وترتيب فصوله وأبوابه
بعناية هذا الكاتب ، وأصل انشائه واملائه ورواية أحاديثه وفتاواه بعناية أستاذه يونس بن
عبد الرحمن وتحت اشرافه ، انتسب الكتاب تارة إلى هذا ، ومرة إلى ذاك ، خصوصا " بعد
ما تناوله أيدي العوام ، وتعاطاه الخلف عن السلف ، واشتهر أمره بين المتعبدين لم يتفحصوا
عن ذلك كثير تفحص .
يدل على ذلك ما رواه النجاشي ص 266 تحت عنوانه محمد بن أحمد بن عبد الله بن
مهران الكرخي ، بعد ما وثقه بأنه كان سليما " قال : أخبرنا أبو العباس بن نوح قال حدثنا
الصفواني قال : حدثنا الحسن بن محمد بن الوجناء أبو محمد النصيبي قال : كتبنا إلى
أبى محمد عليه السلام نسأله أن يكتب أو يخرج الينا كتابا " نعمل به ، فأخرج الينا كتاب
عمل ، قال الصفواني : نسخته فقابل بها كتاب ابن خانبة زيادة حروف أو نقصان حروف
يسيرة .
فالكتاب قد كان عندهم عليهم السلام وخواص أصحابهم ليونس بن عبد الرحمن وعند
متأخريهم أنه كتاب ابن خانبة ، ولما قابلوا النسختين لم تكن بينهما اختلاف الا في حروف
يسيرة قلما يخلو كتاب قبل طبعه عن ذلك ، خصوصا " كتب الأدعية التي يرغب العوام في انتساخها
وتناولها من دون مقابلة وتصحيح .
ويزيد ذلك وضوحا " اشتهار كتاب يونس عند الأئمة عليهم السلام ، فقد روى الكشي
ص 410 في ترجمة يونس بن عبد الرحمان عن أبي بصير حماد بن عبد الله بن أسيد الهروي ، عن
داود بن القاسم أن أبا هاشم الجعفري قال : أدخلت كتاب عمل يوم وليلة الذي ألفه يونس
ابن عبد الرحمان على أبى الحسن العسكري عليه السلام فنظر فيه وتصفح كله ثم قال : هذا ديني
ودين آبائي ، وهو الحق كله .
وروى ص 409 عن جعفر بن معروف قال : حدثني سهل بن بحر قال : حدثني
الفضل بن شاذان قال : حدثني أبي الخليل الملقب بشاذان قال : حدثني أحمد بن أبي خلف
عن أبي جعفر عليه السلام قال : كنت مريضا " فدخل على أبو جعفر عليه السلام يعودني عند مرضى
فإذا عند رأسي كتاب يوم وليلة ، فجعل يصفح ورقه حتى أتى عليه من أوله إلى آخره وجعل
يقول : رحم الله يونس ثلاثا .
وهكذا روى النجاشي ص 348 قال : قال شيخنا أبو عبد الله محمد بن محمد بن النعمان
في كتابه مصابيح النور : أخبرني الشيخ الصدوق أبو القاسم جعفر بن محمد بن قولويه رحمه الله
قال : حدثنا علي بن الحسين بن بابويه قال : حدثنا عبد الله بن جعفر الحميري قال :
قال لنا أبو هاشم داود بن القاسم الجعفري رحمه الله : عرضت على أبى محمد صاحب العسكر
عليه السلام كتاب يوم وليلة يونس فقال لي : تصنيف من هذا ؟ فقلت : تصنيف يونس آل يقطين
فقال : أعطاه الله بكل حرف نورا " يوم القيامة .
وكيف كان - سواء تسلمنا أن كتاب التأديب لابن خانبه هو الذي عمله يونس بن
عبد الرحمان أو كان كتابا " منفردا " بنفسه - الظاهر أن هذه الأدعية المطولة المنقولة منه ، كان
من انشاء وتصنيف كاتبه ابن خانبه ، على حد سائر الأدعية الطويلة التي صنفها سائر الكتاب
كابن أبى قرة الكاتب في كتابه عمل شهر رمضان ، وأبى الطيب القزويني الكاتب وأبى العباس
البغدادي الكاتب في رسالتهما قنوتات الأئمة الأطهار على ما مر في ج 85 ص 211 - 233
وغير ذلك مما هو غير يسير
وذلك لان سيرة الأئمة الهادين عليهم صلوات الله الرحمن ، على ما ثبت منهم في
الأحاديث الصحيحة والأدعية الواردة عنهم بالقطع واليقين ، هو الثناء على الله عز وجل ثم
تحميده وتمجيده ثم الدعاء بما جرى على اللسان ، من دون تطويل وتكرار ، على حد الأدعية
الواردة في القرآن العزيز نقلا عن الأنبياء والصديقين والعباد الصالحين .
ومما يؤيده أن أدعية كتاب ابن خانبه من تصنيف كاتبه ، أنه لم ينسب الأدعية المطولة
الواردة فيه إلى المعصومين ، وإنما يقول : يستحب أن يدعو كذا ، أو : يقول بعد الصلاة
الظهر كذا ، مع ما عرفت من الكشي أنه تاب وأقبل على التصنيف ، وما مر في خبر
الكشي من قول صاحب العسكر لأبي هاشم " هذا تصنيف من ؟ " وجوابه : " تصنيف
يونس آل يقطين " ولنا كلام طويل الذيل في المراد بالأصل والكتاب والتصنيف عند أصحابنا
الأقدمين لعل الله أن يوفقنا لشرح ذلك في موضع آخر .
وفذلكته : أن الأصل هو الحديث الذي تضمن أصلا من أصول الفقه وقواعده ،
وهو المراد بقولهم الأصول الأربعمائة ، وقد كان الأئمة الهادون عليهم صلوات الله الرحمن
لا يلقون تلك الأصول الا إلى خواص أصحابهم الفقهاء ، وأن الكتاب والتأليف مطلق
يشمل كل تأليف في الحديث والفقه والكلام والمغازي والسير ، وأن التصنيف هو الكتاب
الذي عمل صناعة ، وإن كان نسبه المصنف إلى أحد من الأئمة المعصومين .
وهذا مثل كتاب سليم بن قيس الذي قيل فيه أنه أول كتاب صنف للشيعة ، أو أول
تصنيف ظهر لهم ، فأنكر من لم يعرف هذا الاصطلاح بأن أول كتاب ظهر للشيعة هو كتاب
السنن لابن أبي رافع .
ومثله تفسير محمد بن القاسم الأسترآبادي الذي نسبه بسند مجهول إلى أبى محمد
العسكري عليه السلام وفيه الغث والسمين إلى غير ذلك من الكتب والرسائل .
ومن التصنيف بعض الأحاديث التي استخرجها مصنفوها من شتات الاخبار صحاحها
وحسانها ، وأحيانا " ضعافها ومجاهيلها ، ثم أبرزها كحديث واحد بسند واحد ، وهذا
مثل خبر رجاء بن أبي الضحاك وحديث الأربعمائة باب ومن ذلك كثير من الاحتجاجات
المروية عن المعصومين عليهم السلام ، وان كانت مضامينها حقة لا ريب فيها مستندة إلى العقل
والبرهان .
وأما قراءة هذه الأدعية والقنوتات ، فعندي أنه لا بأس بقراءتها والمناجاة بها مع الله
عز وجل ، إذا كان القارئ لها يعرف لغة العرب ويحصل على مضامينها بحيث يصدق عليه
الدعاء والمناجاة ، وليشمله عمومات الامر بالدعاء ، خصوصا " بعد ما ورد الرخصة في
تأليف الدعاء والقنوت ، إذا كان مؤلفه من المستبصرين البالغين كما مر شرحه في ص 82 - 83
من هذا المجلد .
وأما الاحتجاج بألفاظها في القواعد الأدبية ، أو الاستناد إليها في المسائل الاعتقادية
فلا يريب في عدم جوازه ذو مسكة ، حتى من يتسامح في أدلة السنن ويطلق استحباب قراءتها
فان أخبار من بلغ إنما يجوز قراءة هذه الأدعية رجاء ، ولا يحول اسنادها من الضعف إلى
الصحة ، حتى يمكن الاستناد بها في المسائل العلمية ، وبالله التوفيق .