كفانا الله وإياك من الفتن ورحمك من النار ، فقد أصبحت بحال ينبغي لمن
عرفك بها أن يرحمك ، فقد أثقلتك نعم الله بما أصح من بدنك ، وأطال من عمرك ،
وقامت عليك حجج الله بما حملك من كتابه ، وفقهك فيه من دينه ، وعرفك من
سنة نبيه محمد صلى الله عليه وآله ، فرض لك في كل نعمة أنعم بما عليك وفي كل حجة احتج
بها عليك الفرض فما قضى إلا ابتلى شكرك في ذلك ، وأبدى فيه فضله عليك ( 1 )
فقال : " لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد ( 2 ) " .
فانظر أي رجل تكون غدا إذا وقفت بين يدي الله فسألك عن نعمه عليك كيف
رعيتها ، وعن حججه عليك كيف قضيتها ، ولا تحسبن الله قابلا منك بالتعذير ولا
راضيا منك بالتقصير ، هيهات هيهات ليس كذلك ، أخذ على العلماء في كتابه إذ
قال : " لتبيننه للناس ولا تكتمونه ( 3 ) " واعلم أن أدنى ما كتمت وأخف ما احتملت
أن آنست وحشة الظالم ، وسهلت له طريق الغي بدنوك منه حين دنوت ، وإجابتك
له حين دعيت ، فما أخوفني أن تكون تبوء بإثمك غدا مع الخونة ، وأن تسأل
عما أخذت بإعانتك على ظلم الظلمة ، إنك أخذت ما ليس لك ممن أعطاك ،
ودنوت ممن لم يرد على أحد حقا ، ولم ترد باطلا حين أدناك ، وأحببت من
حاد الله ( 4 ) أوليس بدعائه إياك حين دعاك جعلوك قطبا أداروا بك رحى مظالمهم ،
وجسرا يعبرون عليك إلى بلاياهم وسلما إلى ضلالتهم ، داعيا إلى غيهم ، سالكا
سبيلهم ، يدخلون بك الشك على العلماء ، ويقتادون بك قلوب الجهال إليهم ، فلم
يبلغ أخص وزرائهم ، ولا أقوى أعوانهم إلا دون ما بلغت من إصلاح فسادهم ،
هامش
( 1 ) في بعض النسخ " فرضى لك في كل نعمة أنعم بها عليك وفى كل حجة أحتج بها
عليك الفرض بما قضى الا ابتلى شكرك . الخ " .
( 2 ) سورة إبراهيم : 7 .
( 3 ) سورة آل عمران : 187 .
( 4 ) في بعض النسخ " وأجبت من حاد الله " .