بيان : " ضع أمر أخيك " أي احمل ما صدر عن أخيك من قول أو فعل على
أحسن محتملاته ، وإن كان مرجوحا من غير تجسس حتى يأتيك منه أمر لا يمكنك
تأويله ، فان الظن قد يخطئ والتجسس منهي عنه كما قال تعالى : " إن بعض
الظن إثم " ( 1 ) وقال : " ولا تجسسوا " ( 2 ) وقوله : " ما يغلبك " في بعض
النسخ بالغين ، فقوله : منه متعلق بيأتيك أي حتى يأتيك من قبله ما يعجزك ولم
يمكنك التأويل ، وفي بعض النسخ بالقاف من باب ضرب كالسابق أو من باب الافعال
فالظرف متعلق بيقلبك ، والضمير للأحسن قوله عليه السلام : ولا تظنن تأكيد لبعض
أفراد الكلام السابق ، أو السابق محمول على الفعل ، وهذه الجملة مروية في
نهج البلاغة وفيه " من أحد ومحتملا " والحاصل أنه إذا صدرت منه كلمة ذات
وجهين ، وجب عليك أن تحملها على الوجه الخير ، وإن كان معنى مجازيا بدون
قرينة أو كناية أو تورية أو نحوهما ، لا سيما إذا ادعاه القائل .
ومن هذا القبيل ما سماه علماء العربية أسلوب الحكيم كما قال الحجاج
للقبعثرى متوعدا له بالقيد : لأحملنك على الأدهم ، فقال القبعثري : مثل الأمير
يحمل على الأدهم والأشهب ، فأبرز وعيده في معرض الوعد ، ثم قال الحجاج للتصريح
بمقصوده : إنه حديد ، فقال القبعثري : لان يكون حديدا خير من أن يكون بليدا .
وقال الشهيد الثاني روح الله روحه وغيره ممن سبقه : اعلم أنه كما يحرم على
الانسان سوء القول في المؤمن ، وأن يحدث غيره بلسانه بمساوي الغير كذلك يحرم
عليه سوء الظن وأن يحدث نفسه بذلك ، والمراد بسوء الظن المحرم عقد القلب
وحكمه عليه بالسوء من غير يقين ، فأما الخواطر وحديث النفس فهو معفو عنه كما أن
الشك أيضا معفو عنه ، قال الله تعالى " اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم " ( 3 )
فليس لك أن تعتقد في غيرك سوءا إلا إذا انكشف لك بعيان لا يحتمل التأويل ،
وما لم تعلمه ثم وقع في قلبك فالشيطان يلقبه ، فينبغي أن تكذبه فإنه أفسق الفساق
وقد قال الله تعالى " يا أيها الذين آمنوا إن جائكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا
هامش
( 1 ) الحجرات : 12 .
( 2 ) الحجرات : 12 .
( 3 ) الحجرات : 13 .