45 - نهج البلاغة : من خطبة له عليه السلام : دار بالبلاء محفوفة ، وبالغدر معروفة
لا تدوم أحوالها ولا يسلم نزالها ، أحوال مختلفة ، وتارات متصرفة ، العيش فيها
مذموم والأمان منها معدوم ، وإنما أهلها فيها أغراض مستهدفة ترميهم بسهامها
وتفنيهم بحمامها ( 2 ) .
واعلموا عباد الله أنكم وما أنتم فيه من هذه الدنيا على سبيل من قد مضى قبلكم
ممن كان أطول منكم أعمارا وأعمر ديارا وأبعد آثارا ، أصبحت أصواتهم هامدة
ورياحهم راكدة ( 3 ) وأجسادهم بالية ، وديارهم خالية ، وآثارهم عافية ، واستبدلوا
بالقصور المشيدة والنمارق الممهدة الصخور والأحجار المسندة والقبور اللاطئة
الملحدة ، التي قد بنى للخراب فناؤها ، وشيد بالتراب بناؤها ، فمحلها مقترب
وساكنها مغترب ، بين أهل محلة موحشين ، وأهل فراغ متشاغلين ، لا يستأنسون
بالاوطان ولا يتواصلون تواصل الجيران ، على ما بينهم من قرب الجوار ، ودنو الدار
وكيف يكون بينهم تزاور ، وقد طحنهم بكلكله البلى ( 4 ) وأكلتهم الجنادل والثرى .
وكأن قد صرتم إلى ما صاروا إليه ، وارتهنكم ذلك المضجع ، وضمكم ذلك
المستودع ، فكيف بكم لو تناهت بكم الأمور ، وبعثرت القبور " هناك تبلوا
كل نفس ما أسفلت وردوا إلى الله موليهم الحق وضل عنهم ما كانوا يفترون " ( 5 ) .
هامش
( 1 ) عدة الداعي : 80 .
( 2 ) النزال كتجار جمع نازل ، والحمام بالكسر : الموت .
( 3 ) لما كانت الرياح الهابة ذات قوة وشوكة وقدرة هدامة ، كنى بها عن ذلك
يقال الريح لآل فلان : اي تجرى الدولة لهم على أعدائهم ، ومنه قوله تعالى : " ولا تنازعوا
فتفشلوا وتذهب ريحكم " وركود الرياح كناية عن عدم القدرة والشوكة .
( 4 ) الكلكل في الأصل صدر البعير وهو إذا ظفر بعدوه برك بكلكله عليه وداسه
وطحنه بحيث لا يبقى عليه ، وكذلك البلى إذا ناء بكلكله على الأموات وطحنهم عفا على
لحومهم وعظامهم بحيث لا يبقى منها الا التراب .
( 5 ) نهج البلاغة الرقم 224 من الخطب والآية في يونس : 30 .