تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بحار الأنوار — صفحة 33

مساهمون:

ص٣٣
فطائفة غلب عليهم والغفلة ، فلم ينفتح أعينهم للنظر إلى عاقبة أمرهم فقالوا : المقصود أن نعيش أياما في الدنيا فنجهد حتى نكسب القوت ، ثم نأكل حتى نقوى على الكسب ، ثم نكتسب حتى نأكل ، فيأكلون ليكسبوا ، ويكسبون ليأكلوا فهذه مذاهب الملاحين والمتحرفين ، ومن ليس لهم تنعم في الدنيا ولا قدم في الدين . وطائفة أخرى زعموا أنهم تفطنوا للامر وهو أن ليس المقصود أن يشقى الانسان ولا يتنعم في الدنيا بل السعادة في أن يقضي وطره من شهوات الدنيا ، وهي شهوة البطن والفرج ، فهؤلاء طائفة نسوا أنفسهم ، وصرفوا همهم إلى اتباع النسوان وجمع لذائذ الأطعمة يأكلون كما تأكل الانعام ، ويظنون أنهم إذا نالوا ذلك فقد أدركوا غايات السعادات فيشغلهم ذلك عن الله واليوم الآخر . وطائفة ظنوا أن السعادة في كثرة المال والاستغناء بكنز الكنوز ، فأسهروا ليلهم ونهارهم في الجمع فهم يتعبون في الاسفار طول الليل والنهار ، ويترددون في الأعمال الشاقة ويكسبون ويجمعون ولا يأكلون إلا قدر الضرورة شحا وبخلا عليها أن تنقص ، وهذه لذتهم وفي ذلك دأبهم وحركتهم إلى أن يأتيهم الموت فيبقى تحت الأرض أو يظفر به من يأكله في الشهوات واللذات ، فيكون للجامع تعبها ووبالها ، وللاكل لذتها وحسابها ، ثم إن الذين يجمعون ينظرون إلى أمثال ذلك في أشباههم وأمثالهم فلا يعتبرون . وطائفة زعموا أن السعادة في حسن الاسم وانطلاق الألسن بالثناء والمدح بالتجمل والمروة ، فهؤلاء يتعبون في كسب المعايش ويضيقون على أنفسهم في المطعم والمشرب ، ويصرفون جميع ما لهم إلى الملابس الحسنة والدواب النفيسة ، ويزخرفون أبواب الدور ، وما يقع عليه ابصار الناس ، حتى يقال إنه غني وأنه ذو ثروة ويظنون أن ذلك هو السعادة ، فهمتهم في ليلهم ونهارهم في تعهد موقع نظر الناس . وطائفة أخرى ظنوا أن السعادة في الجاه والكرامة بين الناس ، وانقياد الخلق بالتواضع والتوقير ، فصرفوا همتهم إلى استجرار الناس إلى الطاعة بطلب الولاية