وقال المحقق الطوسي قدس سره في أوصاف الاشراف ما حاصله : إن
الخوف والخشية وإن كانا بمعنى واحد في اللغة إلا أن بينهما فرقا بين أرباب القلوب
وهو أن الخوف تألم النفس من المكروه المنتظر والعقاب المتوقع ، بسبب احتمال
فعل المنهيات وترك الطاعات وهو يحصل لأكثر الخلق وإن كانت مراتبه متفاوتة
جدا ، والمرتبة العليا منه لا تحصل إلا للقليل ، والخشية حالة نفسانية تنشأ عن
الشعور بعظمة الرب وهيبته ، وخوف الحجب عنه ، وهذه الحالة لا تحصل إلا
لمن اطلع على جلال الكبرياء وذاق لذة القرب ولذلك قال سبحانه : " إنما
يخشى الله من عباده العلماء " والخشية خوف خاص وقد يطلقون عليها الخوف
أيضا انتهى .
" ومن يتق الله يجعل له مخرجا " التقوى على مراتب أولها التبري عن
الشرك وما يوجب الخلود في النار ، وثانيها التجنب عما يؤثم والاتقاء عن العذاب
مطلقا ، وثالثها التنزه عما يشغل القلب عن الحق ، وبناء الكل على الخوف من العقوبة
والبعد عن الحق .
ولعل المراد هنا إحدى الأخيرتين أي ومن يتق الله خوفا منه يجعل له
مخرجا من شدائد الدنيا والآخرة كما روي عن ابن عباس ، أو من ضيق المعاش كما
يشعر به قوله تعالى : " ويرزقه من حيث لا يحتسب " قيل : وكأن السر في الأول
أن شدائد الدارين من الحرص على الدنيا ، واقتراف الذنوب ، والغفلة عن الحق
والمتقي منزه عن جميع ذلك ، وفي الثاني أن فيضه تعالى وجوده عام لابخل فيه
وإنما المانع من قبول فيضه هو بعد العبد عنه ، وعدم استعداده له بالذنوب ، فإذا
اتقى منها قرب منه تعالى ، واستحق قبول فيضه بلا تعب ولا كلفة ، فيجمع بذلك
خير الدنيا والآخرة .
" إن حب الشرف والذكر " أي حب الجاه والرياسة والعزة في الناس
وحب الذكر والمدح والثناء منهم ، والشهرة فيهم " لا يكونان في قلب الخائف
الراهب " لان حبهما من آثار الميل إلى الدنيا وأهلها ، والخائف الراهب منزه
بحار الأنوار — صفحة 360
مساهمون: العلامة المجلسي
ص٣٦٠