الخامسة نية من يعبده تقربا إليه تعالى تشبيها للقرب المعنوي بالقرب
المكاني ، وهذا هو الذي ذكره أكثر الفقهاء ، ولم أر في كلامهم تحقيق القرب
المعنوي ، فالمراد إما القرب بحسب الدرجة والكمال ، إذ العبد لامكانه في غاية
النقص ، عار عن جميع الكمالات ، والرب سبحانه متصف بجميع الصفات الكمالية
فبينهما غاية البعد ، فكلما رفع عن نفسه شيئا من النقائص ، واتصف بشئ من
الكمالات ، حصل له قرب ما بذلك الجناب ، أو القرب بحسب التذكر والمصاحبة
المعنوية ، فان من كان دائما في ذكر أحد ومشغولا بخدماته فكأنه معه ، وإن
كان بينهما غاية البعد بحسب المكان ، وفي قوة هذه النية إيقاع الفعل امتثالا
لامره تعالى أو موافقة لإرادته أو انقيادا وإجابة لدعوته أو ابتغاء لمرضاته .
فهذه النيات التي ذكرها أكثر الأصحاب وقالوا : لو قصد لله مجردا عن
جميع ذلك كان مجزيا ، فإنه تعالى غاية كل مقصد ، وإن كان يرجع إلى بعض
الأمور السالفة .
السادسة نية من عبد الله لكونه أهلا للعبادة ، وهذه النية الصديقين ، كما
قال أمير المؤمنين صلوات الله عليه : ما عبدتك خوفا من نارك ، ولا طمعا في جنتك
ولكن وجدتك أهلا للعبادة فعبدتك ، ولا تسمع هذه الدعوى من غيرهم ، وإنما
يقبل ممن يعلم منه أنه لو لم يكن لله جنة ولا نار ، بل لو كان على الفرض المحال
يدخل العاصي الجنة والمطيع النار ، لاختار العبادة لكونه أهلا لها ، كما أنهم في
الدنيا اختاروا النار لذلك ، فجعلها الله عليهم بردا وسلاما ، وعقوبة الأشرار فجعلها الله
عندهم لذة وراحة ونعيما .
السابعة نية من عبد الله حبا له ودرجة المحبة أعلى درجات المقربين ، والمحب
يختار رضا محبوبه ، ولا ينظر إلى ثواب ولا يحذر من عقاب ، وحبه تعالى إذا
استولى على القلب يطهره عن حب ما سواه ، ولا يختار في شئ من الأمور إلا رضا
مولاه .
كما روى الصدوق - رحمه الله - باسناده عن الصادق عليه السلام أنه قال : إن الناس
بحار الأنوار — صفحة 197
مساهمون: العلامة المجلسي
ص١٩٧