ثم قال :
أما بعد فان الله جل ثناؤه ، وتقدست أسماؤه ، خلق خلقه فألزمهم عبادته
وكلفهم طاعته ، وقسم بينهم معايشهم ، ووضعهم في الدنيا بحيث وضعهم ، وهو في
ذلك غني عنهم ، لا تنفعه طاعة من أطاعه ، ولا تضره معصية من عصاه منهم ، لكنه
علم تعالى قصورهم عما تصلح عليه شؤونهم ، وتستقيم به دهماؤهم في عاجلهم
وآجلهم ، فارتبطهم باذنه في أمره ونهيه ، فأمرهم تخييرا ، وكلفهم يسيرا ، وأثابهم
كثيرا وأماز سبحانه بعدل حكمه وحكمته ، بين الموجف من أنامه إلى مرضاته
ومحبته ، وبين المبطئ عنها والمستظهر على نعمته منهم بمعصيته . فذلك قول الله
عز وجل " أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات
سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون ( 1 ) .
ثم وضع أمير المؤمنين صلوات الله عليه يده على منكب همام بن عبادة فقال :
ألا من سأل عن شيعة أهل البيت ، الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم في كتابه
مع نبيه تطهيرا ، فهم العارفون بالله ، العاملون بأمر الله ، أهل الفضائل والفواضل
منطقهم الصواب ، وملبسهم الاقتصاد ، ومشيهم التواضع ، بخعوا لله تعالى بطاعته ،
وخضعوا له بعبادته ، فمضوا غاضين أبصارهم عما حرم الله عليهم ، واقفين أسماعهم
على العلم بدينهم ، نزلت أنفسهم منهم في البلاء كالذي نزلت منهم في الرخاء رضى عن
الله بالقضاء ، فلولا الآجال التي كتب الله لهم لم تستقر أرواحهم في أجسادهم طرفة
عين ، شوقا إلى لقاء الله والثواب ، وخوفا من العقاب .
عظم الخالق في أنفسهم ، وصغر ما دونه في أعينهم ، فهم والجنة كمن رآها
فهم على أرائكها متكئون ، وهم والنار كمن ادخلها فهم فيها يعذبون ، قلوبهم
محزونة ; وشرورهم مأمونة ، وأجسادهم نحيفة ، وحوائجهم خفيفة ، وأنفسهم عفيفة
ومعونتهم في الاسلام عظيمة . صبروا أياما قليلة فأعقبتهم راحة طويلة ، وتجارة مربحة
يسرها لهم رب كريم ، أناس أكياس ، أرادتهم الدنيا فلم يريدوها ، وطلبتهم
هامش
( 1 ) الجاثية : 21 .