رقيقا ( 1 ) حتى يتناوله ، ولو كان قصير الساقين وكان يخطو نحو الصيد ليأخذه يصيب بطنه الماء فيثور ويذعر ( 2 ) منه فيتفرق عنه فخلق له ذلك العمودان ليدرك بهما
حاجته ولا يفسد عليه مطلبه .
تأمل ضروب التدبير في خلق الطائر فإنك تجد كل طائر طويل الساقين طويل
العنق ، وذلك ليتمكن من تناول طعمه من الأرض ، ولو كان طويل الساقين قصير
العنق لما استطاع أن يتناول شيئا من الأرض ، وربما أعين مع طول العنق بطول
المناقير ليزداد الامر عليه سهولة له وإمكانا ، أفلا ترى أنك لا تفتش شيئا من الخلقة
إلا وجدته على غاية الصواب والحكمة .
انظر إلى العصافير كيف تطلب اكلها بالنهار فهي لا تفقده ولا هي تجده مجموعا
معدا ، بل تناله بالحركة والطلب ، وكذلك الخلق كله ، فسبحان من قدر الرزق
كيف قوته ( 3 ) فلم يجعل مما لا يقدر عليه إذ جعل للخلق حاجة إليه ولم يجعله
مبذولا يناله ( 4 ) بالهوينا إذا كان لا صلاح في ذلك ، فإنه لو كان يوجد مجموعا معدا
كانت البهائم تتقلب عليه ولا تتقلع عنه حتى تبشم فتهلك ، وكان الناس أيضا يصيرون
بالفراغ إلى غاية الأشر والبطر حتى يكثر الفساد ويظهر الفواحش .
أعلمت ما طعم هذه الأصناف من الطير التي لا تخرج إلا بالليل كمثل البوم والهام ( 5 )
والخفاش ؟ قلت : لا يا مولاي .
هامش
( 1 ) في نسخة : خطوات رقيقات .
( 2 ) أي ويخاف منه .
( 3 ) في نسخة : " كيف قدره " وفي النسخة المخطوطة : كيف قدر .
( 4 ) في نسخة : " ينال بالهوينا " أقول : الهوينا " التؤدة والرفق وهي تصغير الهونى ،
والهونى تأنيث الاهون .
( 5 ) الهام جمع الهامة نوع من البوم الصغير تألف القبور والأماكن الخربة وتنظر
من كل مكان ، أينما درت أدارت رأسها ، وتسمى أيضا الصدى .