قال المفضل : فقلت : إن قوما من المعطلة يزعمون أن اختلاف الألوان
والاشكال في الطير إنما يكون من قبل امتزاج الاخلاط واختلاف مقاديرها
بالمرج ( 1 ) والاهمال .
فقال : يا مفضل هذا الوشي ( 2 ) الذي تراه في الطواويس والدراج والتدارج ( 3 )
على استواء ومقابلة كنحو ما يخط بالأقلام كيف يأتي به الامتزاج ( 4 ) المهمل على
شكل واحد لا يختلف ؟ ولو كان بالاهمال لعدم الاستواء ولكان مختلفا .
تأمل ريش الطير كيف هو ؟ فإنك تراه منسوجا كنسج الثوب من سلوك ( 5 )
دقاق قد الف بعضه إلى بعض كتأليف الخيط إلى الخيط ، والشعرة إلى الشعرة ، ثم
ترى ذلك النسج إذا مددته ينفتح قليلا ولا ينشق لتداخله الريح ، فيقل الطائر
إذا طار ، وترى في وسط الريشة عمودا غليظا متينا قد نسج عليه الذي هو مثل
الشعر ليمسكه بصلابته ، وهو القصبة التي في وسط الريشة ، وهو مع ذلك أجوف
ليخف على الطائر ولا يعوقه عن الطيران .
هل رأيت يا مفضل هذا الطائر الطويل الساقين ؟ وعرفت ماله من المنفعة
في طول ساقيه ؟ فإنه أكثر ذلك في ضحضاح من الماء فتراه بساقين طويلين كأنه ربيئة
فوق مرقب ، وهو يتأمل ما يدب في الماء فإذا رأى شيئا مما يتقوت به خطا خطوات
هامش
( 1 ) قال المصنف : المرج بالتحريك : الفساد والاضطراب والاختلاط ، وفي بعض
النسخ بالزاي المعجمة ، والأول أظهر .
( 2 ) الوشى : نقش الثوب ويكون من كل لون .
( 3 ) التدرج والتذرج : طائر حسن الصورة أرقش طويل الذنب ، والجمع تدارج ،
وأوردنا كلام الدميري في كتاب التوحيد راجع ج 3 : 105 .
( 4 ) أراد عليه السلام بالامتزاج الطبيعة التي يقولها القائلون باستناد الموجودات إليها في
زماننا هذا .
( 5 ) السلوك جمع السلك وهو جمع السلكة بالكسر : الخيط يخاط بها .