تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بحار الأنوار — صفحة 259

مساهمون:

ص٢٥٩
شأنه ولا طاقته أن يعلم ، كعلم الغيب وما هو كائن ، وبعض ما قد كان أيضا كعلم ما فوق السماء ، وما تحت الأرض ، وما في لجج البحار وأقطار العالم ، وما في قلوب الناس ، وما في الأرحام ، وأشباه هذا مما حجب على الناس علمه . وقد ادعت طائفة من الناس هذه الأمور فأبطل دعواهم ما يبين من خطأهم في ما يقضون عليه ويحكمون به في ما ادعوا علمه . فانظر كيف أعطي الانسان علم جميع ما يحتاج إليه لدينه ودنياه ، وحجب عنه ما سوى ذلك ليعرف قدره ونقصه ! وكلا الامرين فيها صلاحه . تأمل الآن يا مفضل ما ستر عن الانسان علمه من مدة حياته ، فإنه لو عرف مقدار عمره وكان قصير العمر لم يتهنأ بالعيش مع ترقب الموت وتوقعه لوقت قد عرفه بل كان يكون بمنزلة من قد فنى ماله أو قارب الفناء ، فقد استشعر الفقر والوجل من فناء ماله وخوف الفقر . على أن الذي يدخل على الانسان من فناء العمر أعظم مما يدخل عليه من فناء المال ، لان من يقل ماله يأمل أن يستخلف منه فيسكن إلى ذلك ، ومن أيقن بفناء العمر استحكم عليه اليأس . وإن كان طويل العمر ثم عرف ذلك وثق بالبقاء ، وانهمك في اللذات والمعاصي ، وعمل على أنه يبلغ من ذلك شهوته ثم يتوب في آخر عمره ، وهذا مذهب لا يرضاه الله من عباده ولا يقبله . ألا ترى لو أن عبدا لك عمل على أنه يسخطك سنة ويرضيك يوما أو شهرا لم تقبل ذلك منه ، ولم يحل عندك محل العبد الصالح دون أن يضمر طاعتك ونصحك في كل الأمور في كل الأوقات على تصرف الحالات . فإن قلت : أوليس قد يقيم الانسان على المعصية حينا ثم يتوب فتقبل توبته ؟ قلنا : إن ذلك شئ يكون من الانسان لغلبة الشهوات له لو تركه مخالفتها من غير أن يقدرها في نفسه ويبني عليه أمره ، فيصفح الله عنه ويتفضل عليه بالمغفرة . فأما من قدر أمره على أن يعصي ما بدا له ثم يتوب آخر ذلك فإنما يحاول خديعة من لا يخادع ، بأن يتسلف التلذذ في العاجل ، ويعد ويمني نفسه التوبة في الآجل ، ولأنه لا يفي بما يعد من ذلك ، فإن النزوع من الترفه والتلذذ ومعاناة التوبة ولا سيما عند الكبر وضعف البدن أمر صعب ، ولا يؤمن على الانسان مع مدافعته بالتوبة أن