صباح ولا مساء ، ولله في مالي حق أمرني أضعه موضعا إلا وضعته ، قال : وأتاه
قوم ممن يظهرون التزهد ويدعون الناس أن يكونوا معهم على مثل الذي هم عليه
من التقشف فقالوا له : إن صاحبنا حصر عن كلامك ، ولم يحضره حججه فقال لهم :
فهاتوا حججكم ! فقالوا له : إن حججنا من كتاب الله فقال لهم فأدلوا بها فإنها
أحق ما اتبع وعمل به .
فقالوا : يقول الله تبارك وتعالى ، مخبرا عن قوم من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله :
" ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون " ( 1 )
فمدح فعلهم .
وقال في موضع آخر " ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا " ( 2 )
فنحن نكتفي بهذا ، فقال رجل من الجلساء : إنا رأيناكم تزهدون في الأطعمة الطيبة
ومع ذلك تأمرون الناس بالخروج من أموالهم حتى تمتعوا أنتم منها ، فقال له
أبو عبد الله عليه السلام : دعوا عنكم ما لانتفع به ، أخبروني أيها النفر ألكم علم بناسخ
القرآن من منسوخه ، ومحكمه من متشابهه الذي في مثله ضل من ضل ، وهلك من
هلك من هذه الأمة ؟ فقالوا له : أو بعضه . فأما كله فلا ، فقال لهم : فمن ههنا اتيتم
وكذلك أحاديث رسول الله صلى الله عليه وآله ، فأما ما ذكرتم من إخبار الله عز وجل إيانا
في كتابه عن القوم الذين أخبر عنهم بحسن فعالهم ، فقد كان مباحا جائزا ، ولم
يكونوا نهوا عنه ، وثوابهم منه على الله عز وجل ، وذلك أن الله جل وتقدس
أمر بخلاف ما عملوا به ، فصار أمره ناسخا لفعلهم ، وكان نهي الله تبارك وتعالى
رحمة منه للمؤمنين ونظرا ، لكي لا يضروا بأنفسهم وعيالاتهم ، منهم الضعفة
الصغار ، والولدان ، والشيخ الفاني ، والعجوزة الكبيرة ، الذين لا يصبرون على
الجوع ، فان تصدقت برغيفي ولا رغيف لي غيره ضاعوا وهلكوا جوعا ، فمن ثم
قال رسول الله صلى الله عليه وآله : خمس تمرات أو خمس قرص ، أو دنانير أو درهم يملكها الانسان
هامش
( 1 ) سورة الحشر الآية : 9 .
( 2 ) سورة الدهر الآية : 8 .