أن شجاعته وان كانت على ما ذكرت وأفضل ، فلا تبلغ إلى أن يغلب جميع الخلق
ويحارب سائر الناس وهو مع الشجاعة بشر يقوى ويضعف ، ويخاف ويأمن ، والتقية
جايزة على البشر الذين يضعفون عن دفع المكروه عنهم .
فان قيل : أليس الحسين ( عليه السلام ) أظهر النكير على بني أمية من يزيد وغيره وكان
يجب أن لا ينقص نكيره عن نكيره ، ولم يكن فزعه من أبي بكر الا دون فزعه
من يزيد .
قيل : هذا بعيد من الصواب ، لأنا قد بينا الأسباب المانعة من النكير ، وليس
الخوف في تلك الحال كالخوف من يزيد وبني أمية ، وكيف يكون الخوف من مظهر
للفسوق والخلاعة والمجانة ، متهتك لا مسكة عنده ، ولا شبهة في أن إمامته ملك
وغلبة ، وأنه لا شرط من شرايط الإمامة فيه ، كالخوف من مقدم معظم جميل الظاهر
يرى أكثر الأمة أن الإمامة له دونه ، وأنها أدنى منازله ، وما الجامع بين الامرين الا
كالجامع بين الضدين .
على أن القوم الذين امتنعوا من بيعة يزيد قد عرف ما جرى عليهم من القتل
والمكروه فيه .
على أن الحسين ( عليه السلام ) أظهر الخلاف لما وجد بعض الأعوان عليه ، وطمع
في معاونة من خذله وقعد عنه ، ثم إن حاله آلت مع اجتهاده ( عليه السلام ) واجتهاد من
اجتهد معه في نصرته إلى ما آلت إليه .
وليس لاحد أن يقول إنه كان بعيدا من التقية لما انتهت الإمامة إليه ،
وحين فاضل أهل البصرة وصفين ، كان واجد الأنصار ، فكان يجب أن يظهر النكير
وذلك أن كثيرا من التقية وإن كان زال في أيامه فقد بقي كثير منها لان أكثر
من كان معه كان يعتقد امامة المتقدمين عليه ، وأن إمامته ثبتت كما ثبتت إمامة
من تقدم بالاختيار ، فلأجل ذلك لم يتمكن من إظهار جميع ما في نفسه ، ولم
ينقض أحكام القوم ، وأمر قضاته على أن يحكموا بما كانوا يحكمون ، وقد بينا
ذلك فيما تقدم على وجه لا يخفى على من أمعن النظر ، وأنصف من نفسه .
بحار الأنوار — صفحة 399
مساهمون: العلامة المجلسي
ص٣٩٩