إلى التواتر ، وبعد ، فأدون منزلة هذه الأخبار إذا كانت آحادا أن تقتضي الظن ،
وتمنع من القطع على أنه لم يكن هناك خوف ولا إكراه ، وإذا كنا لا نعلم أن
البيعة وقعت عن رضا واختيار مع التجويز لان يكون هناك أسباب إكراه ، فأولى
أن لا نقطع على الرضا والاختيار مع الظن لأسباب الاكراه والخوف .
فان قيل : التقية لا تكون إلا عن خوف شديد ، ولابد له من أسباب وأمارات
تظهر ، فمتى لم تظهر أسبابه لم يسغ تجويزه ، وإذا كان غير جايز فلا تقية .
قلنا : وأي أسباب وأمارات هي أظهر مما ذكرناه ورويناه ، هذا إن أردتم
بالظهور النقل والرواية على الجملة ، وإن أردتم بالظهور أن ينقله جميع الأمة
ويعلموه ، ولا يرتابوا به ، فذاك اقتراح منكم لا ترجعون فيه إلى حجة ، ولنا
أن نقول لكم من أين أوجبتم ذلك ؟ وما المانع من أن ينقل أسباب التقية قوم ويعرض
عن نقلها آخرون لأغراض لهم ، وصوارف تصرفهم عن النقل ، ولا خفاء بما في هذه
الدعوى وأمثالها .
على أن الامر في ظهور أسباب التقية أوضح من أن يحتاج فيه إلى رواية خبر
ونقل لفظ مخصوص لأنكم تعلمون أن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) تأخر عن البيعة تأخرا
علم وارتفع الخلاف فيه ، ثم بايع بعد زمان متراخ وإن اختلف في مدته ، ولم
تكن بيعته وإمساكه عن النكير الذي كان وقع منه ، إلا بعد أن استقر الامر لمن
عقد له ، وبايعه الأنصار والمهاجرون ، وأجمع عليه في الظاهر المسلمون ، وشاع
بينهم أن بيعته انعقدت بالاجماع والاتفاق ، وأن من خالف عليه كان شاقا لعصا المسلمين
مبتدعا في الدين ، رادا على الله وعلى رسوله ، وبهذا بعينه احتجوا على من قعد عن
البيعة وتأخر عنها ، فأي سبب للخوف أظهر مما ذكرناه .
وكيف يراد سبب له ولا شئ يذكر في هذا الباب إلا وهو أضعف مما أشرنا
إليه ، وكيف يمكن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) المقام على خلاف من بايعه جميع المسلمين
وأظهروا الرضا به والسكون إليه ، وأن مخالفه مبتدع خارج عن الملة .
وإنما يصح أن يقال إن الخوف لابد له من أمارة وأسباب تظهر ، وأن نفيه
بحار الأنوار — صفحة 394
مساهمون: العلامة المجلسي
ص٣٩٤