في جند من الشيطان فتبدى ( 1 ) لهم في سورة سراقة بن مالك بن جعشم الكناني ثم
المدلجي ، وكان من أشراف كنانة فقال لهم : " لا غالب لكم اليوم من الناس وإني
جار لكم " أي مجير لكم من كنانة ، فلما رأى إبليس الملائكة نزلوا من السماء
وعلم أنه لا طاقة له بهم نكص على عقبيه عن ابن عباس وغيره ، وقيل : إنهم لما
التقوا كان إبليس في صف المشركين آخذا بيد الحارث بن هشام فنكص على عقبيه
فقال له الحارث : يا سراق ( 2 ) أين ؟ أتخذلنا على هذه الحالة ؟ فقال له : إني أرى
ما لا ترون فقال : والله ما ترى إلا جعاسيس ( 3 ) يثرب فدفع في صدر الحارث وانطلق
وانهزم الناس ، فلما قدموا مكة فقالوا : هزم الناس سراقة ، فبلغ ذلك سراقة فقال :
والله ما شعرت بمسيركم حتى بلغني هزيمتكم ، قالوا : إنك أتيتنا يوم كذا ، فحلف
لهم ، فلما أسلموا علموا أن ذلك كان الشيطان ، روي ذلك عن أبي جعفر وأبي عبد الله
عليهما السلام ، وقيل : إن إبليس لا يجوز أن يقدر على خلع صورته ولبس صورة
سراقة ، ولكن الله جعل إبليس في صورة سراقة علما للنبي صلى الله عليه وآله ، وإنما فعل ذلك
لأنه علم أنه لو لم يدع المشركين إنسان إلى قتال المسلمين فإنهم لا يخرجون من
ديارهم حتى يقاتلوهم ( 4 ) المسلمون . لخوفهم من بني كنانة ، فصوره بصورة سراقة
حتى تم المراد في إعزاز الدين ، عن الجبائي وجماعة ، وقيل : إن إبليس لم يتصور
في صورة إنسان ، وإنما قال ذلك لهم على وجه الوسوسة عن الحسن ، والأول هو
المشهور في التفاسير .
ورأيت في كلام الشيخ المفيد رضي الله عنه أنه يجوز أن يقدر الله تعالى الجن
ومن جرى مجراهم على أن يتجمعوا ويعتمدوا ببعض جواهرهم على بعض حتى
هامش
( 1 ) تبدى : ظهر .
( 2 ) في المصدر : يا سراقة .
( 3 ) في المصدر : ما نرى الا جعاسيس يثرب . وفى النهاية : الجعاسيس : اللئام في الخلق
والخلق ، والواحد جعسوس بالضم ومنه الحديث : أتخوفنا بجعاسيس يثرب .
( 4 ) في المصدر : حتى يقاتلهم المسلون .