تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بحار الأنوار — صفحة 277

مساهمون:

ص٢٧٧
بمعنى أطلعه عليه وأمره بحفظه ، ولو سلمنا أن المراد شرع لنا ما شرح لنوح ( عليه السلام ) لاحتمل أن يكون المراد به من الاستدلال بالمعقول على العقائد الدينية ، ولو لم يحتمل ذلك لم يبعد أن يتفق الشرعان ، ثم لا يكون شرعه حجة علينا من حيث ورد على نبينا ( صلى الله عليه وآله ) بطريق الوحي ، فلا تكون شريعته شريعة لنا باعتبار ورودها عنه . وعن الآية الرابعة أن المساواة في الوحي لا تستلزم المساواة في الشرع . وعن الآية الخامسة أن ظاهرها يقتضي اشتراك الأنبياء جميعا في الحكم بها ، وذلك غير مراد ، لان إبراهيم ونوحا وإدريس وآدم ( عليهم السلام ) لم يحكموا بها ، لتقدمهم على نزولها ، فيكون المراد أن الأنبياء يحكمون بصحة ورودها عن الله ، وأن فيها نورا وهدى ، ولا يلزم أن يكونوا متعبدين بالعمل بها ، كما أن كثيرا من آيات القرآن منسوخة ، وهي عندنا نور وهدى ، وأما رجوعه ( صلى الله عليه وآله ) في تعرف حد الرجم فلا نسلم أن مراجعته إلى التوراة لتعرفه ، بل لم لا يجوز أن يكون ذلك لإقامة الحجة على من أنكر وجوده في التوراة انتهى . أقول : إنما أوردنا دلائل القول في نفي تعبده ( صلى الله عليه وآله ) بعد البعثة بشريعة من قبله لاشتراكها مع ما نحن فيه في أكثر الدلائل ، فإذا عرفت ذلك فاعلم أن الذي ظهر لي من الأخبار المعتبرة ، والآثار المستفيضة هو أنه ( صلى الله عليه وآله ) كان قبل بعثته مذ أكمل الله عقله في بدو سنه نبيا مؤيدا بروح القدس ، يكلمه الملك ، ويسمع الصوت ، ويرى في المنام ، ثم بعد أربعين سنة صار رسولا ، وكلمه الملك معاينة ، ونزل عليه القرآن ، وامر بالتبليغ ، وكان يعبد الله قبل ذلك بصنوف العبادات إما موافقا لما أمر به الناس بعد التبليغ وهو أظهر ( 1 ) ، أو على وجه آخر ، إما مطابقا لشريعة إبراهيم ( عليه السلام ) ، أو غيره ممن تقدمه من الأنبياء عليهم السلام لا على وجه كونه تابعا لهم وعاملا بشريعتهم ، بل بأن ما أوحي إليه ( صلى الله عليه وآله ) كان مطابقا لبعض شرائعهم ، أو على وجه آخر نسخ بما نزل عليه بعد الارسال ، ولا أظن أن يخفى صحة ما ذكرت على ذي فطرة مستقيمة ، وفطنة غير سقيمة بعد الإحاطة
هامش
( 1 ) لأنه لو كان على وجه آخر لكان يتغير بعد ما امر بتبليغه ، ولو كان ذلك لنقل الينا ، وحيث لم ينقل صح أن نقول : إنه كان موافقا لما امر به الناس بعد .