نومه فأمسكت عنه ساعة ، فخشيت أن تبطئ على بعلها فمدت يدها إليه لتوقظه ففتح
عينيه وجعل يهش لها ( 1 ) ويضحك في وجهها ، فخرج من فمه نور فتعجبت حليمة من
ذلك ، ثم ناولته ثديها اليمنى فرضع ، فناولته الأخرى فلم يرضع ، وكان ذلك إلهاما "
من الله عز وجل ، ألهمه العدل والانصاف من صغره ، إذ كان لها ابن ترضعه ، وكان لا يرضع
حتى يرضع أخوه ضمرة ، فرجعت حليمة بمحمد صلى الله عليه وآله ، فقال لها عبد المطلب : مهلا "
يا حليمة حتى نزودك ، قالت : حسبي من الزاد هذا المولود ، وهو أحب إلي من الذهب
والفضة ومن جميع الأطعمة ، وأعطاها من المال والزاد والكسوة فوق الطاقة والكفاية ،
وأعطتها آمنة كذلك ، فأخذت عند ذلك آمنة ولدها وقبلته وبكت لفراقه ، فربط الله على
قلبها ( 2 ) ، فدفعته إلى حليمة ، وقالت : يا حليمة احفظي نور عيني وثمرة فؤادي ، ثم خرجت حليمة من
بيت آمنة وشيعها عبد المطلب ، قالت حليمة : والله ما مررت بحجر ولا مدر إلا ويهنئني بما وصل
إلي ، فلما أقبلت على بعلها نظر إلى النور يشرق في غرته ( 3 ) فتعجب من ذلك ، وألقى الله في
قلبه الرحمة له ، فقال لها : يا حليمة قد فضلنا الله بهذا المولود على سائر العالم ، فلا شك
أنه من أبناء الملوك ، فلما ارتحلت القافلة ركبت حليمة على أتان وجعلت تقول لزوجها :
لقد سعدنا بهذا المولود سعادة الدنيا والآخرة .
وسمعت آمنة هاتفا " يقول :
قفي ساعة حتى نشاهد حسنه * قليلا ونمسي في وصال وفي قرب
فأين ذهاب الركب عن ساكن الحمى * وأين رواح الصب ( 4 ) عن ساكن الشعب
إذا جئت واديه وجئت خيامه * وعاينت بدر الحسن في طيبه ( 5 ) قف بي
وطف بالمطايا حول حجرة حسنة * وعند ( 6 ) طواف العيس يا صاحبي طف بي
هامش
( 1 ) هش له : تبسم وارتاح له واشتهاء .
( 2 ) أي قواها وصبرها .
( 3 ) في المصدر : من غرته .
( 4 ) الصب : العاشق وذو الولع الشديد .
( 5 ) في وجه خ ل .
( 6 ) وبعد خ ل ، قلت : العيس : الإبل البيض يخالط بياضها سواد خفيف ، والعيس أيضا :
كرام الإبل .