فواقعها ، فحملت بسيد المرسلين وخاتم النبيين ، وقام من عندها إلى عند أبيه فنظر إليه
أبوه وإذا النور قد فارق من بين عينيه ، وبقي عليه من أثر النور كالدرهم الصحيح ، وذهب
النور إلى ثدي آمنة ، فقام عبد المطلب إلى عند آمنة ونظر إلى وجهها فلم يكن النور كما
كان في عبد الله بل أنور ، فذهب عبد المطلب إلى عند حبيب الراهب فسأله عن ذلك ، فقال حبيب :
اعلم أن هذا النور هو صاحب النور بعينه ، وصار في بطن أمه ، فقام عبد المطلب وخرج
مع الرجل وبقي عبد الله عند أهله إلى أن ذهبت الصفرة من يديه ، وذلك أن العرب كانوا
إذا دخلوا بأهلهم خضبوا أيديهم بالحناء ، ولا يخرجون من عندهم وعلى أيديهم أثر من
الحناء ، وبقي عبد الله أربعين يوما " ، وخرج ونظر أهل مكة إلى عبد الله والنور قد فارق
موضعه ، فرجع عبد المطلب من عند حبيب وقد أتى على رسول الله صلى الله عليه وآله شهر واحد في بطن
أمه ، ونادت الجبال بعضها بعضا " ، والأشجار بعضها بعضا " والسماوات بعضها بعضا " ،
يستبشرون ويقولون : ألا إن محمدا " قد وقع في رحم أمه آمنة ، وقد أتى عليه شهر ففرح ( 1 )
بذلك الجبال والبحار والسماوات والأرضون ، فورد ( 2 ) عليه كتاب من يثرب بموت
فاطمة بنت عبد المطلب ، وكان في الكتاب أنها ورثت مالا " كثيرا " خطيرا " ، فأخرج أسرع
ما تقدر عليه ، فقال عبد المطلب لولده عبد الله : يا ولدي لابد لك أن تجئ معي إلى المدينة ،
فسافر مع أبيه ودخلا مدينة يثرب ، وقبض عبد المطلب المال ، ولما مضى من
دخولهما المدينة عشرة أيام اعتل عبد الله علة شديدة ، وبقي خمسة عشر يوما " ،
فلما كان اليوم السادس عشر مات عبد الله ، فبكى عليه أبوه عبد المطلب بكاء شديدا " ،
وشق سقف البيت لأجله في دار فاطمة بنت عبد المطلب ، وإذا " بهاتف يهتف ويقول : قد
مات من كان في صلبه خاتم النبيين ، وأي نفر لا يموت ؟ فقام عبد المطلب : فغسله
وكفنه ودفنه في سكة يقال لها : شين ، وبنى على قبره قبة عظيمة من جص وآجر ، ورجع
إلى مكة ، واستقبلته رؤساء قريش وبنو هاشم ، واتصل الخبر إلى آمنة بوفات زوجها ،
فبكت ونتفت شعرها ، وخدشت وجهها ، ومزقت جيبها ، ودعت بالنائحات ينحن على
هامش
( 1 ) في المصدر : فتفرح .
( 2 ) في المصدر : ثم إن الله تعالى أراد قضاه على فاطمة بنت عبد المطلب فورد إه .