به من عند ربه ، ثم تأوه سيف ثلاث مرات بأن يراه فكان ينصره وينظره ( 1 ) ، يتعجب
منه الطير في الهواء ، ثم قال : يا أبا الحارث عليك بكتمان ما ألقيت عليك ، ولا تظهره إلى
أن يظهره الله تعالى ، فقال عبد المطلب : السمع والطاعة للملك ، ونظر عبد المطلب في
لحية سيف بن ذي يزن سوادا " وبياضا " ، وخرج من عنده وقد وعده في الحباء في غد ليرحلوا
إلى أرض الحرم إن شاء الله تعالى ، فلما رجع إلى أصحابه وجدهم وجلين شاحبين ( 2 ) وقد
أكثروا الفكر فيه حين دعاه الملك في مثل ساعته التي دعاه فيها ، فقالوا له ، ما كان يريد
الملك منك ؟ قال عبد المطلب : يسألني عن رسوم مكة وآثارها ، ولم يخبر عبد المطلب
أحدا بما كان بينه وبين الملك ، وغدا عليهم رسول الملك من غد يحضرهم مجلسه فتطيبوا
وتزينوا ودخلوا القصر ، وعبد المطلب يقدمهم ، فدخلوا عليه فنظر عبد المطلب فإذا برأسه
ولحيته حالكا " ، فقال له عبد المطلب : إني تركتك أبيض اللحية فما هذا ؟ فقال له الملك :
إني أستعمل الخضاب ، فقال أصحاب عبد المطلب : إن رأى الملك أن يرانا أهلا " لذلك
الخضاب فليفعل ، قال فأمر الملك أن يؤخذ بهم إلى الحمام ، وكان القوم بيض الرؤوس
واللحاء ، فخضبوا هناك فخرجوا ولشعورهم بريق كأسود ما يكون من الشعر ، ويقال : إن
سيفا " أول من خضب رأسه ولحيته .
قال الواقدي : ثم إن الملك أمر لكل واحد منهم ببدرة بيض ، فحمل كل واحد
منهم على دابة وبغل ، وأمر لكل واحد منهم بجارية وغلام وبتخت ثياب ( 3 ) فاخرة ،
ولعبد المطلب بضعفي ما وهب لهم ، ثم دعا الملك بفرسه العقاب وبغلته الشهباء وناقته
العضباء ( 4 ) وقال يا أبا الحارث : إن الذي أسلمه إليك ( 5 ) أمانة في عنقك تحفظها إلى
هامش
( 1 ) والظاهر أن بعد ذلك سقط ما يرتبط بين الجملتين .
( 2 ) الشاحب : المهزول أو المتغير اللون .
( 3 ) في الفضائل : وغلام وثياب وبتخت ثياب ، قلت . والتخت : خزانة الثياب .
( 4 ) العضباء بالعين المهملة والضاد المعجمة ، قال الجزري : فيه كان اسم ناقته العضباء ، وهو
علم لها منقول من قولهم : ناقة عضباء أي مشقوقة الأذن ، ولم تكن مشقوقة الأذن ، وقال بعضهم
كانت مشقوقة الأذن ، والأول أكثر ، وقال الزمخشري : هو منقول من قولهم : ناقة عضبا وهي
القصيرة اليد .
( 5 ) في الفضائل : أسلمته إليك .