وقال لغلمانه : من ذا الذي دخل علي بغير إذني ؟ ايتوني به سريعا " ، فسعى إليه الغلمان
والخدم فاختطفوه من البستان ، فلما دخل عبد المطلب عليه رأى قصرا " مبنيا " على حجر ،
مطلى بطلاء الوردي ، منقشا " بنقش اللازوردي ، وورد على أمثال الورد ، ورأي عن يمين
الملك وعن شماله وبين يديه من الجواري ما لا عدد لهن ، ورأي بقرب الملك عمودا " من عقيق
أحمر ، وله رأس من ياقوت أزرق ، مجوف محشى بالمسك ، ورأي عن يساره تورا " ( 1 ) من
ذهب أحمر ، وعلى فخذه سيف نقمته مكتوب عليه بماء الذهب . شعر :
رب ليث مدجج كان يحمي * ألف قرن منغمد الأغمادي
وخميس ملفف بخميس * بدد ( 2 ) الدهر جمعهم في البلاد
قال الواقدي : فوقف عبد المطلب بين يديه ولم يتكلم له الملك ولا عبد المطلب حتى
كرع الملك في التور الذي بين يديه ، فلما فرغ من شربه نظر إليه وكان سيف قد شاهد
عبد المطلب قبل هذا ، ولكنه أنكره حتى استنطقه ، فقال له الملك : من الرجل ؟ فقال أنا
عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن مضر بن نزار بن معد بن
عدنان ، حتى بلغ آدم عليه السلام ، فقال له الملك : أنت ابن أختي ؟ فقال : نعم أيها الملك
أنا ابن أختك ، وذلك أن سيف بن ذي يزن كان من آل قحطان ، وآل قحطان من الأخ ،
وآل إسماعيل من الأخت ، فعلم سيف بن ذي يزن أن عبد المطلب ابن أخته ، فقال سيف :
أهلا " وسهلا " وناقة " ورحلا " ، ومد الملك يده إلى عبد المطلب ، وكذلك عبد المطلب إلى نحو
الملك ، فأمره الملك بالقعود وكناه بأبي الحارث ، أنتم معاشر أهل الشار ، رجال الليل
والنهار ، وغيوث الجدب والغلاء ، وليوث الحرب بضرب الطلا ، ثم قال : يا أبا الحارث
فيم جئت ؟ فقال له عبد المطلب : نحن جيران بيت الله الحرام ، وسدنة البيت ( 3 ) ، وقد جئت
إليك وأصحابي بالباب لنهنئك بولايتك وما فوضه الله تعالى من النصر لك وأجراه على
يديك من هلاك عدوك ، فالحمد لله الذي نصرك ، وأقر عينيك ، وأفلج حجتك ( 4 ) ، وأقر
هامش
( 1 ) التور : اناء صغير .
( 2 ) بدد : فرق .
( 3 ) سدنة : جمع السادن : خادم الكعبة .
( 4 ) أي أظهرها وقدمها .