لتذهب إليه فدعا عليهم فماتوا ، فبلغ الجبار ذلك فبعث إليه خمسمائة رجل ليأتوه به فقالوا
له : يا إدريس إن الجبار بعثنا إليك لنذهب بك إليه ، فقال لهم إدريس : انظروا إلى
مصارع أصحابكم ، فقالوا له : يا إدريس قتلتنا بالجوع منذ عشرين سنة ثم تريد أن تدعو
علينا بالموت ! أما لك رحمة ؟ فقال : ما أنا بذاهب إليه ، ولا أنا بسائل الله أن يمطر السماء
عليكم حتى يأتيني جباركم ماشيا " حافيا " وأهل قريتكم ، فانطلقوا إلى الجبار فأخبروه
بقول إدريس واسألوه أن يمضي معهم وجميع أهل قريتهم إلى إدريس حفاة مشاة ، فأتوه
حتى وقفوا بين يديه خاضعين له طالبين إليه أن يسأل الله لهم أن يمطر السماء عليهم ، فقال
لهم إدريس : أما الآن فنعم ، فسأل الله تعالى إدريس عند ذلك أن يمطر السماء عليهم
وعلى قريتهم ونواحيها فأظلتهم سحابة من السماء وأرعدت وأبرقت وهطلت ( 1 ) عليهم من ساعتهم
حتى ظنوا أنها الغرق فما رجعوا إلى منازلهم حتى أهمتهم أنفسهم من الماء . ( 2 )
قصص الأنبياء : بإسناده إلى الصدوق مثله . ( 3 )
بيان : فسمني أي بعني . أثمن لك : أعطيك الثمن . قبل فعلك أي إتيانك بما غضبت له .
فلن تسبقني بنفسك هو تهديد بالقتل ، أي لا يمكنك الفرار بنفسك والتقدم بحيث
لا يمكنني اللحوق بك لإهلاكها ، أو لا تغلبني في أمر نفسك بأن تتخلصها مني ، ويحتمل
أن يكون المراد : لا تغلبني متفردا بنفسك من غير معاون فلم تتعرض لي . حتى أهمتهم
أنفسهم أي خوف أنفسهم أوقعهم في الهموم ، أو لم يهتمهم إلا هم أنفسهم وطلب خلاصها .
ثم اعلم أن الظاهر أن أمره تعالى إدريس عليه السلام بالدعاء لهم لم يكن على سبيل
الحتم والوجوب بل على الندب والاستحباب ، وكان غرضه عليه السلام في التأخير وفي طلب القوم
أن يأتوه متذللين تنبيههم وزجرهم عن الطغيان والفساد ولئلا يخالفوا ربهم بعد دخوله
بينهم ، ( 4 ) وأن أولياء الله يغضبون لربهم أكثر من سخطه تعالى لنفسه لسعة رحمته وعظم
حمله تعالى شأنه .
هامش
( 1 ) هطل المطر : نزل متتابعا متفرقا عظيم القطر .
( 2 ) كمال الدين : 76 - 78 . م
( 3 ) مخطوط . م
( 4 ) وليكون ذلك تنبيها للملك الجبار وأتباعه ورجوعهم إلى الله مسلمين ، ولو كان يدعو قبل
أن يسلموا ويتوبوا لكانوا يجبرون الناس على الضلال بعد أن رفهوا .