فدونك الوجد والشوق والوله واللوعة والهيام والعذاب .
وكان يتغنى أيضا للمشيب بأشعار المشيب ، فيحدثهم عن لطف الأزل الذي هو مصدر لكل جمال وحسن ، وعن فائدة الرضا والقناعة والهدوء والطاعة دون أن يوحى إليهم بقنوط أو يأس ، ودون أن يوصد عليهم باب الأمل وأماني النفس .
الحياة عنه تفيض ولا تغيض ، تتقد ولا تخبو ، تزدهر ولا تذوي ، روضة مورقة لن يصيبها ذبول ، وشمس متألقة ليس لها أفول ، وصباح باسم جماله لا يزول .
وآلام الحياة عبء تتغلت عليه بالصبر والأناة ، فحذار من الضجر والسأم ، وحذار أن تزل بك القدم ، فالهوة بعيدة عميقة ، والواقعة رهيبة دقيقة .
وحذار من النفاق والرياء ، فإثم الصراحة خير من مداجاة الأدنياء ؛ والاعتراف بالتقصير خير من التماس المعاذير ؛ وأنا إنسان كسائر الناس أخطئ وأصيب ، ولكني لا ألجأ إلى الألاعيب والأكاذيب ؛ ولكي أدل الناس على حسناتي لا أستطيع أن أنكر سيئاتي ؛ وأنا مثلهم أحب وأحيى ، وأسعد وأشقى ، وأتطلع إلى معين لا ينضب ، وإلى شمس لا تغرب ؛ فإذا شربت ففي غير خفاء ، وإذا تعبدت وتهجدت ففي غير إعلان وخيلاء ؛ فدعني إذن أصارحك القول بأني عاشق عابث عربيد ، ولكني مع ذلك خير بكثير ممن يدعون الصلاح والتقوى والزهد الشديد :
وما عساك تقول عن العار وشهرتي مستمدة من العار والشنار ! !
وما ذا تطلب من الشهرة وعارى من بعد الصيت والاشتهار ! !
ونحن إذا كنا نشرب الخمر ، سكارى ، نعربد ، لا نغضّ الأبصار
فأي شخص ليس حاله كحالنا في هذه المدينة والديار ؟ !
( من الغزل 44 )
فإذا فهمت حالي وعفوت عني فادن مني لكي أهمس في أذنيك ببعض ما أفكر فيه ، ولكي أعترف لك بما لم أنكره على غيرك ، فإنك متى فهمتني أصبحت من الأطهار الأخيار ، وأصبحت عندي محرما لما خفي من الأسرار ، وأمكنني أن أقول لك في وضح النهار :
مضى قلبي على حال ، وعنه الآن لا يرجع * بحب الغانيات البيض لم يهدأ ولم يقنع
بربّي منك لا تنصح ، فتلك الكأس والصهبا * حديثي فيهما دوما ، فزدني منهما أسمع
ويا ساقي ألا أقبل ، وناولني ولا تمهل * دهاقا لونها ورد كضوء الخدّ إذ يسطع
وكأس الخمر هل أحسوا على سر بلا جهر ؟ ! * فيا بؤسا ! إذا أودت بنا « نار الرياء » أجمع