قال : وحمل جبرئيل على إبليس فطلبه حتى غاص في البحر ، وقال : يا رب ، أنجز لي ما وعدتني من البقاء إلى يوم الدين .
روي في الخبر : أن إبليس التفت إلى جبرئيل ( عليه السلام ) وهو في الهزيمة ، فقال : يا هذا ، أبدا لكم فيما أعطيتمونا ؟ فقيل لأبي عبد الله ( عليه السلام ) : أترى كان يخاف أن يقتله ؟ فقال : « لا ، ولكنه كان يضربه ضربة يشينه منها إلى يوم القيامة » .
وأنزل الله على رسوله ( صلى الله عليه وآله ) : * ( إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْناقِ واضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ ) * « 1 » قال : أطراف الأصابع ، فقد جاءت قريش بخيلائها وفخرها تريد أن تطفئ نور الله ، ويأبى الله إلا أن يتم نوره ، وخرج أبو جهل من بين الصفين ، وقال : اللهم ، إن محمدا أقطعنا للرحم ، وآتانا بما لا نعرفه فأحنه « 2 » الغداة ، فأنزل الله على رسوله : إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ وإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ ولَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً ولَوْ كَثُرَتْ وأَنَّ اللَّه مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ) * « 3 » .
ثم أخذ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) كفا من حصى ورمى به في وجوه قريش ، وقال : « شاهت الوجوه » فبعث الله رياحا تضرب في وجوه قريش ، فكانت الهزيمة . فقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : « اللهم لا يفلتن فرعون هذه الأمة أبو جهل بن هشام ، فقتل منهم سبعون وأسر منهم سبعون ، والتقى عمرو بن الجموح مع أبي جهل ، فضرب عمرو أبا جهل على فخذه « 4 » ، وضرب أبو جهل عمرا على يده ، فأبانها من العضد ، فتعلقت بجلدة فاتكأ عمرو على يده برجله ، ثم نزا في السماء حتى انقطعت الجلدة ، ورمى بيده .
وقال عبد الله بن مسعود : انتهيت إلى أبي جهل وهو يتشحط في دمه ، فقلت : الحمد لله الذي أخزاك ، فرفع رأسه ، فقال : إنما أخزى الله عبد ابن أم عبد ، لمن الدائرة « 5 » ويلك . قلت : لله ولرسوله ، وإني قاتلك ، ووضعت رجلي على عنقه . فقال : ارتقيت مرتقى صعبا يا رويعي الغنم ، أما إنه ليس شيء أشد من قتلك إياي في هذا اليوم ، ألا تولى قتلي رجل من المطيبين أو رجل من الأحلاف « 6 » . فاقتلعت بيضة كانت على رأسه فقتلته ، وأخذت رأسه وجئت به إلى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، وقلت : يا رسول الله ، البشرى هذا رأس أبي جهل بن هشام ، فسجد لله شكرا .
هامش
( 1 ) الأنفال 8 : 12 .
( 2 ) الحين : الهلاك ، وأحنه : أهلكه « القاموس المحيط 4 : 219 » .
( 3 ) الأنفال 8 : 19 .
( 4 ) في المصدر : على فخذيه .
( 5 ) في « ط » و « س » والمصدر : الدين ، وما أثبتناه من مغازي الواقدي 1 : 90 وسيرة ابن هشام 2 : 288 .
( 6 ) لمّا أرادت بنو عبد مناف أخذ ما في أيدي عبد الدار من الحجامة والرّفادة واللواء والسّقاية ، وأبت عبد الدار ، عقد كلّ قوم على أمرهم حلفا مؤكّدا على أن لا يتخاذلوا ، فاجتمع بنو عبد مناف وبنو زهرة وتيم وأسد ، وجعلوا طيبا في جفنة وغمسوا أيديهم فيه ، وتحالفوا على التناصر والأخذ للمظلوم من الظالم ، فسمّوا المطيّبين ، وتعاقدت بنو عبد الدار مع جمح ومخزوم وعديّ وكعب وسهم حلفا آخر مؤكّدا ، فسمّوا الأحلاف لذلك . « النهاية 1 : 425 و 3 : 149 » .