أربع مائة فرس ، فعبأ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أصحابه بين يديه ، وقال : « غضوا أبصاركم ، ولا تبدأوهم بالقتال ، ولا يتكلمن أحد » .
فلما نظرت قريش إلى قلة أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، قال أبو جهل : ما هم إلا أكلة رأس ، لو بعثنا إليهم عبيدنا لأخذوهم أخذا باليد . فقال عتبة بن ربيعة : أترى لهم كمينا ومددا ؟ فبعثوا عمير بن وهب الجمحي ، وكان فارسا شجاعا ، فجال بفرسه حتى طاف على عسكر رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، ثم صعد الوادي وصوت ، ثم رجع إلى قريش ، فقال : ما لهم كمين ولا مدد ، ولكن نواضح « 1 » يثرب قد حملت الموت الناقع ، أما ترونهم خرسا لا يتكلمون ، يتلمظون تلمظ الأفاعي ، ما لهم ملجأ إلا سيوفهم ، وما أراهم يولون حتى يقتلوا ، ولا يقتلون حتى يقتلوا بعددهم فارتأوا رأيكم . فقال أبو جهل : كذبت وجبنت ، وانتفخ سحرك « 2 » حين نظرت إلى سيوف يثرب .
وفزع أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) حين نظروا إلى كثرة قريش وقوتهم ، فأنزل الله على رسوله : وإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وتَوَكَّلْ عَلَى اللَّه ) * « 3 » وقد علم الله أنهم لا يجنحون ولا يجيبون إلى السلم ، وإنما أراد سبحانه بذلك لتطيب قلوب أصحاب النبي ( صلى الله عليه وآله ) . فبعث رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) إلى قريش ، فقال : « يا معشر قريش ، ما أحد من العرب أبغض إلي من أن أبدأكم ، فخلوني والعرب ، فإن أك صادقا فأنتم أعلى بي عينا ، وإن أك كاذبا كفتكم ذؤبان العرب أمري ، فارجعوا » .
فقال عتبة : والله ، ما أفلح قوم قط ردوا هذا . ثم ركب جملا له أحمر ، فنظر إليه رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يجول في العسكر وينهى عن القتال ، فقال : « إن يكن عند أحد خير فعند صاحب الجمل الأحمر ، فإن يطيعوه يرجعوا ويرشدوا » . فأقبل عتبة يقول : يا معشر قريش ، اجتمعوا وسامعوا . ثم خطبهم ، فقال : يمن مع رحب ، ورحب مع يمن . يا معشر قريش ، أطيعوني اليوم ، واعصوني الدهر ، وارجعوا إلى مكة واشربوا الخمور ، وعانقوا الحور ، فإن محمدا له إل وذمة ، وهو ابن عمكم ، فارجعوا ولا تردوا رأيي ، وإنما تطالبون محمدا بالعير التي أخذوها بنخلة ، ودم ابن الحضرمي وهو حليفي وعلي عقله . فلما سمع أبو جهل ذلك غاضه ، وقال : إن عتبة أطول الناس لسانا ، وأبلغهم كلاما ، ولئن رجعت قريش بقوله ليكونن سيد قريش إلى آخر الدهر . ثم قال : يا عتبة ، نظرت إلى سيوف بني عبد المطلب وجبنت وانتفخ سحرك ، وتأمر الناس بالرجوع وقد رأينا ثأرنا بأعيننا . فنزل عتبة عن جمله ، وحمل على أبي جهل ، وكان على فرس ، فأخذ بشعره ، فقال الناس : يقتله . فعرقب فرسه ، فقال : أمثلي يجبن ، وستعلم قريش اليوم أينا ألأم وأجبن ، وأينا المفسد لقومه ، لا يمشي إلا أنا وأنت إلى الموت عيانا . ثم قال :
هذا جناي وخياره فيه
وكل جان يده إلى فيه
ثم أخذ بشعره يجره ، فاجتمع إليه الناس ، وقالوا : يا أبا الوليد ، الله الله لا تفت في أعضاد الناس ، تنهى عن شيء وتكون أوله . فخلصوا أبا جهل من يده .
هامش
( 1 ) الناضح : البعير يستقى عليه ، والجمع نواضح . « الصحاح - نضح - 1 : 411 » .
( 2 ) انتفح سحرك : أي رئتك ، يقال ذلك للجبان « النهاية 2 : 346 » .
( 3 ) الأنفال 8 : 61 .