الأولى في هذه المسألة إما أن يقال إن لها الامرين جميعا مصيرا إلى ظاهر الكتاب
والمعروف من السنة ، وإما أن يخصص هذا العموم بحديث فاطمة المذكور . وأما التفريق
بين إيجاب النفقة والسكنى فعسير ووجه عسره ضعف دليله . وينبغي أن تعلم أن المسلمين
اتفقوا على أن العدة تكون في ثلاثة أشياء : في طلاق ، أو موت ، أو اختيار الأمة نفسها إذا
أعتقت . واختلفوا فيها في الفسوخ ، والجمهور على وجوبها .
ولما كان الكلام في العدة يتعلق فيه أحكام عدة الموت رأينا أن نذكرها ههنا فنقول :
إن المسلمين اتفقوا على أن عدة الحرة من زوجها الحر أربعة أشهر وعشرا لقوله تعالى :
* ( يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا ) * . واختلفوا في عدة الحامل وفي عدة الأمة إذا
لم تأتها حيضتها في الأربعة الأشهر وعشرا ماذا حكمها ؟ فذهب مالك إلى أن من شرط تمام
هذه العدة أن تحيض حيضة واحدة في هذه المدة ، فإن لم تحض فهي عنده مسترابة
فتمكث مدة الحمل ، وقيل عنه إنها قد لا تحيض وقد لا تكون مسترابة ، وذلك إذا كانت
عادتها في الحيض أكثر من مدة العدة ، وهذا إما غير موجود ، أعني من تكون عادتها أن
تحيض أكثر من أربعة أشهر إلى أكثر من أربعة أشهر ، وإما نادر . واختلف عنه فيمن هذه
حالها من النساء إذا وجدت ، فقيل تنتظر حتى تحيض ، وروى عنه ابن القاسم : تتزوج إذا
انقضت عدة الوفاة ولم يظهر بها حمل . وعلى هذا جمهور فقهاء الأمصار : أبي حنيفة والشافعي
والثوري .
وأما المسألة الثانية : وهي الحامل التي يتوفى عنها زوجها ، فقال الجمهور وجميع
فقهاء الأمصار : عدتها أن تضع حملها مصيرا إلى عموم قوله تعالى : * ( وأولات الأحمال
أجلهن أن يضعن حملهن ) * وإن كانت الآية في الطلاق وأخذا أيضا بحديث أم سلمة أن
سبيعة الأسلمية ولدت بعد وفاة زوجها بنصف شهر وفيه فجاءت رسول الله ( ص ) فقال
لها : قد حللت فانكحي من شئت وروى مالك عن ابن عباس أن عدتها آخر الأجلين ،
يريد أنها تعتد بأبعد الأجلين ، إما الحمل ، وإما انقضاء العدة عدة الموت ، وروي مثل ذلك
عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، والحجة لهم أن ذلك هو الذي يقتضيه الجمع بين
عموم آية الحوامل وآية الوفاة . وأما الأمة المتوفى عنها من تحل له ، فإنها لا تخلو أن
تكون زوجة أو ملك يمين أو أم ولد أو غير أم ولد ، فأما الزوجة فقال الجمهور : إن عدتها
نصف عدة الحرة قاسوا ذلك على الدية . وقال أهل الظاهر : بل عدتها عدة الحرة ، وكذلك
عندهم عدة الطلاق مصيرا إلى التعميم . وأما أم الولد فقال مالك والشافعي وأحمد والليث
وأبو ثور وجماعة : عدتها حيضة ، وبه قال ابن عمر . وقال مالك : وإن كانت ممن لا تحيض
بداية المجتهد ونهاية المقتصد — صفحة 77
مساهمون: أبو الوليد محمد بن أحمد الأندلسي (ابن رشد)
ص٧٧