المشهور من مذهب ابن القاسم ، وقال قوم : لا يجوز إلا بشرطين : عدم الطول ، وخوف
العنت ، وهو المشهور من مذهب مالك ، وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي . والسبب في
اختلافهم : معارضة دليل الخطاب في قوله تعالى * ( ومن لم يستطع منكم طولا أن
ينكح ) * الآية ، لعموم قوله : * ( وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين ) * الآية ، وذلك أن
مفهوم دليل الخطاب في قوله تعالى : * ( ومن لم يستطع منكم طولا ) * الآية ، يقتضي أنه
لا يحل نكاح الأمة إلا بشرطين : أحدهما : عدم الطول إلى الحرة ، والثاني : خوف العنت .
وقوله تعالى : * ( وأنكحوا الأيامى منكم ) * يقتضي بعمومه إنكاحهن من حر أو عبد ،
واجدا كان الحر أو غير واجد ، خائفا للعنت أو غير خائف ، لكن دليل الخطاب أقوى
ههنا - والله أعلم - من العموم ، لان هذا العموم لم يتعرض فيه إلى صفات الزوج
المشترطة في نكاح الإماء ، وإنما المقصود به الامر بإنكاحهن وألا يجبرن على النكاح ،
وهو أيضا محمول على الندب عند الجمهور مع ما في ذلك من إرهاق الرجل ولده .
واختلفوا من هذا الباب في فرعين مشهورين ، أعني الذين لم يجيزوا النكاح إلا بالشرطين
المنصوص عليهما : أحدهما : إذا كانت تحته حرة هل هي طول أو ليست بطول ؟ فقال أبو
حنيفة : هي طول ، وقال غيره : ليست بطول ، وعن مالك في ذلك القولان . والمسألة
الثانية : هل يجوز لمن وجد فيه هذان الشرطان نكاح أكثر من أمة واحدة ثلاث أو أربع أو
ثنتان ؟ فمن قال إذا كانت تحته حرة فليس يخاف العنت لأنه غير عزب قال : إذا كانت
تحته حرة لم يجز له نكاح الأمة ، ومن قال خوف العنت ، إنما يعتبر بإطلاق سواء كان عزبا
أو متأهلا لأنه قد لا تكون الزوجة الأولى مانعة من العنت ، وهو لا يقدر على حرة
تمنعه من العنت ، فله أن ينكح أمة ، لان حاله مع هذه الحرة في خوف العنت كحالة
قبلها ، وبخاصة إذا خشي العنت من الأمة التي يريد نكاحها . وهذا بعينه السبب في اختلافهم : هل ينكح أمة ثانية على الأمة الأولى أو لا ينكحها ؟ وذلك أن من اعتبر خوف
العنت مع كونه عزبا إذ كان الخوف على العزب أكثر قال : لا ينكح أكثر من أمة واحدة ،
ومن اعتبره مطلقا قال : ينكح أكثر من أمة واحدة ، وكذلك يقول إنه ينكح على الحرة .
واعتباره مطلقا فيه نظر ، وإذا قلنا إن له أن يتزوج على الحرة أمة فتزوجها بغير إذنها فهل
لها الخيار في البقاء معه أو في فسخ النكاح ؟ اختلف في ذلك قول مالك ، واختلفوا إذا
وجد طولا بحرة : هل يفارق الأمة أم لا ؟ ولم يختلفوا أنه إذا ارتفع عنه خوف العنت أنه لا
يفارقها . أعني أصحاب مالك ، واتفقوا من هذا الباب على أنه لا يجوز أن تنكح المرأة
من ملكته وأنها إذا ملكت زوجها انفسخ النكاح .
بداية المجتهد ونهاية المقتصد — صفحة 35
مساهمون: أبو الوليد محمد بن أحمد الأندلسي (ابن رشد)
ص٣٥