الرضاع وقوله يحرم من الرضاع ما يحرم من الولادة إنما ورد على جهة التأصيل لحكم
الرضاع ، إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة قال : ذلك الحديث إن عمل بمقتضاه أوجب
أن يكون ناسخا لهذه الأصول ، لان الزيادة المغيرة للحكم ناسخة ، من أن عائشة لم يكن مذهبها
التحريم بلبن الفحل ، وهي الرواية للحديث ، ويصعب رد الأصول المنتشرة التي يقصد بها
التأصيل والبيان عند وقت الحاجة بالأحاديث النادرة وبخاصة التي تكون في عين ، ولذلك قال
عمر رضي الله عنه في حديث فاطمة بنت قيس : لا نترك كتاب الله لحديث امرأة .
المسألة الثامنة : وأما الشهادة على الرضاع فإن قوما قالوا : لا تقبل فيه إلا شهادة
امرأتين ، وقوما قالوا : لا تقبل فيه إلا شهادة أربع ، وبه قال الشافعي وعطاء ، وقوم قالوا :
تقبل فيه شهادة امرأة واحدة . والذين قالوا تقبل فيه شهادة امرأتين منهم من اشترط في ذلك
فشو قولهما بذلك قبل الشهادة ، وهو مذهب مالك وابن القاسم ، ومنهم من لم يشترطه ،
وهو قول مطرف وابن الماجشون . والذين أجازوا أيضا شهادة امرأة واحدة منهم من لم
يشترط فشو قولها قبل الشهادة ، وهو مذهب أبي حنيفة ، ومنهم من اشترط ذلك ، وهي
رواية عن مالك ، وقد روي عنه أنه لا تجوز فيه شهادة أقل من اثنتين . والسبب في
اختلافهم : أما بين الأربع والاثنتين فاختلافهم في شهادة النساء هل عديل كل رجل هو
امرأتان فيما ليس يمكن فيه شهادة الرجل أو يكفي في ذلك امرأتان ، وستأتي هذه المسألة
في كتاب الشهادات إن شاء الله تعالى . وأما اختلافهم في قبول شهادة المرأة الواحدة
فمخالفة الأثر الوارد في ذلك للأصل المجمع عليه ، أعني أنه لا يقبل من الرجال أقل من
اثنين ، وأن حال النساء في ذلك إما أن يكون أضعف من حال الرجال ، وإما أن تكون أحوالهم في ذلك مساوية للرجال ، والاجماع
منعقد على أنه لا يقضى بشهادة واحدة . والامر الوارد في ذلك هو حديث عقبة بن الحارث
قال يا رسول الله إني تزوجت امرأة فأتت امرأة فقالت : قد أرضعتكما ، فقال
رسول الله ( ص ) : كيف وقد قيل ؟ دعها عنك وحمل بعضهم هذا الحديث على الندب جمعا
بينه وبين الأصول ، وهو أشبه ، وهي رواية عن مالك .
المسألة التاسعة : وأما صفة المرضعة فإنهم اتفقوا على أنه يحرم لبن كل امرأة بالغ
وغير بالغ ، واليائسة من المحيض كان لها زوج أو لم يكن ، حاملا كانت أو غير حامل ،
وشذ بعضهم فأوجب حرمة للبن الرجل ، وهذا غير موجود فضلا عن أن يكون له حكم
شرعي ، وإن وجد فليس لبنا إلا باشتراك الاسم واختلفوا من هذا الباب في لبن الميتة .
وسبب الخلاف : هل يتناولها العموم أو لا يتناولها ؟ ولا لبن للميتة إن وجد لها إلا باشتراك
الاسم ، ويكاد أن تكون مسألة غير واقعة فلا يكون لها وجود إلا في القول .
الفصل الرابع : في مانع الزنا
واختلفوا في زواج الزانية ، فأجاز هذا الجمهور ، ومنعها قوم . وسبب اختلافهم :
بداية المجتهد ونهاية المقتصد — صفحة 32
مساهمون: أبو الوليد محمد بن أحمد الأندلسي (ابن رشد)
ص٣٢