وهو مذهب مالك والشافعي ، وقوم اعتبروا العدد . فعند مالك إذا كانوا ستة أعبد مثلا ، عتق
منهم الثلث بالقيمة كان الحاصل في ذلك اثنين منهم أو أقل أو أكثر ، وذلك أيضا بالقرعة
بعد أن يجبروا على القسمة أثلاثا ، وقال قوم : بل المعتبر العدد ، فإن كانوا ستة عتق منهم
اثنان وإن كانوا مثلا سبعة عتق منهم اثنان وثلث . فعمدة أهل الحجاز ما رواه أهل البصرة
عن عمران بن الحصين : أن رجلا أعتق ستة مملوكين عند موته ولم يكن له مال غيرهم فدعا
رسول الله ( ص ) فجزأهم أثلاثا ثم أقرع بينهم فأعتق اثنين وأرق أربعة خرجه البخاري ومسلم
مسندا ، وأرسله مالك . وعمدة الحنفية ما جرت به عادتهم من رد الآثار التي تأتي بطريق
الآحاد إذا خالفتها الأصول الثابتة بالتواتر . وعمدتهم أنه قد أوجب السيد لكل واحد منهم
العتق تاما ، فلو كان له ( مال ) لنفذ بإجماع ، فإذا لم يكن له مال وجب أن ينفذ لكل واحد منهم
بقدر الثلث الجائز فعل السيد فيه ، وهذا الأصل ليس بينا من قواعد الشرع في هذا
الوضع ، وذلك أنه يمكن أن يقال له إنه إذا أعتق من كل واحد منهم الثلث دخل الضرر
على الورثة والعبيد المعتقين ، وقد ألزم الشرع مبعض العتق أن يتم عليه ، فلما لم يمكن
ههنا أن يتمم عليه جمع في أشخاص بأعيانهم لكن متى اعتبرت القيمة في ذلك دون العدد
أفضت إلى هذا الأصل ، وهو تبعيض العتق ، فلذلك كان الأولى أن يعتبر العدد وهو ظاهر
الحديث ، وكان الجزء المعتق في كل واحد منهم هو حق لله فوجب أن يجمع في أشخاص
بأعيانهم أصله حق الناس . واختلفوا في مال العبد إذا أعتق لمن يكون ، فقالت طائفة :
المال للسيد ، وقالت طائفة : ماله تبع له ، وبالأول قال ابن مسعود من الصحابة ، ومن
الفقهاء أبو حنيفة والثوري وأحمد وإسحاق ، وبالثاني قال ابن عمر وعائشة والحسن وعطاء
ومالك وأهل المدينة . والحجة لهم حديث ابن عمر أن النبي ( ص ) : من أعتق فماله
له إلا أن يشترط السيد ماله .
وأما ألفاظ العتق ، فإن منها شريحا ومنها كناية عند أكثر فقهاء الأمصار ، وأما الألفاظ
الصريحة ، فهو أن يقول أنت حر ، أو أنت عتيق وما تصرف من هذه ، فهذه الألفاظ تلزم
السيد بإجماع من العلماء . وأما الكناية فهي مثل قول السيد لعبده : لا سبيل لي عليك ، أو
لا ملك لي عليك ، فهذه ينوي فيها سيد العبد ، هل أراد به العتق أم لا عند الجمهور . ومما
اختلفوا فيه في هذا الباب إذا قال السيد لعبده : يا بني ، أو قال : يا أبي ، أو
يا أمي ، فقال قوم وهم الجمهور : لا عتق يلزمه ، وقال أبو حنيفة : يعتق عليه ، وشذ زفر
فقال : لو قال السيد لعبده : هذا ابني ، عتق عليه وإن كان العبد له عشرون سنة وللسيد ثلاثون
سنة . ومن هذا الباب اختلافهم فيمن قال لعبده : ما أنت إلا حر . فقال قوم : هو ثناء عليه
وهم الأكثر ، وقال قوم : هو حر ، وهو قول الحسن البصري . ومن هذا الباب من نادى
عبدا من عبيده باسمه ، فاستجاب له عبد آخر ، فقال له : أنت حر ، وقال : إنما أردت الأول ،
بداية المجتهد ونهاية المقتصد — صفحة 303
مساهمون: أبو الوليد محمد بن أحمد الأندلسي (ابن رشد)
ص٣٠٣