يجبر ، لان الأصول تقتضي أن لا يخرج ملك أحد من يده إلا بدليل من كتاب أو سنة أو
إجماع . وحجة مالك أن في ترك الاجبار ضررا ، وهذا من باب القياس المرسل وقد قلنا
في غير ما موضع إنه ليس يقول به أحد من فقهاء الأمصار إلا مالك ، ولكنه كالضروري في
بعض الأشياء . وأما إذا كانت العروض أكثر من جنس واحد ، فاتفق العلماء على قسمتها
على التراضي ، واختلفوا في قسمتها بالتعديل والسهمة ، فأجازها مالك وأصحابه في
الصنف الواحد ومنع من ذلك عبد العزيز بن أبي سلمة وابن الماجشون . واختلف أصحاب
مالك في تمييز الصنف الواحد الذي تجوز فيه السهمة من التي لا تجوز فاعتبره أشهب بما
لا يجوز تسليم بعضه في بعض . وأما ابن القاسم فاضطرب ، فمرة أجاز القسم بالسهمة فيما
لا يجوز تسليم بعضه في بعض ، فجعل القسمة أخف من السلم ، ومرة منع القسمة فيما منع فيه السلم ، وقد قيل إن مذهبه أن القسمة في ذلك أخف ، وأن مسألة التي يظن من قبلها أن
القسمة عنده أشد من السلم تقبل التأويل على أصله الثاني . وذهب ابن حبيب إلى أنه يجمع
في القسمة ما تقارب من الصنفين مثل الخز والحرير والقطن والكتان . وأجاز أشهب جمع
صنفين في القسمة بالسهمة مع التراضي ، وذلك ضعيف لان الغرر لا يجوز بالتراضي .
الفصل الثالث : في معرفة أحكامها
فأما المكيل والموزون فلا تجوز فيه القرعة باتفاق إلا ما حكى اللخمي ، والمكيل أيضا
لا يخلو أن يكون صبرة واحدة أو صبرتين فزائدا ، فإن كان صنفا واحد ، فلا يخلو أن تكون
قسمته على الاعتدال بالكيل أو الوزن إذا دعا إلى ذلك أحد الشريكين ، ولا خلاف في جواز
قسمته على التراضي على التفضيل البين كان ذلك من الربوي أو من غير الربوي : أعني الذي
لا يجوز فيه التفاضل ، ويجوز ذلك بالكيل المعلوم والمجهول ، ولا يجوز قسمته جزافا بغير
كيل ولا وزن . وأما إن كانت قسمته تحريا ، فقيل لا يجوز في المكيل ويجوز في الموزون ،
ويدخل في ذلك من الخلاف ما يدخل في جواز بيعه تحريا ، وأما إن لم يكن ذلك من صبرة
واحدة وكانا صنفين ، فإن كان ذلك مما لا يجوز فيه التفاضل فلا تجوز قسمتها على جهة
الجمع إلا بالكيل المعلوم فيما يكال ، وبالوزن بالصنجة المعروفة فيما يوزن ، لأنه إذا كان
بمكيال مجهول لم يدر كم يحصل فيه من الصنف الواحد إذا كانا مختلفين من الكيل المعلوم ،
وهذا كله على مذهب مالك ، لان أصل مذهبه أنه يحرم التفاضل في الصنفين إذا تقاربت
منافعهما مثل القمح والشعير ، وأما إن كان مما يجوز فيه التفاضل فيجوز قسمته على الاعتدال
والتفاضل البين المعروف بالمكيال المعروف أو الصنجة المعروفة : أعني على جهة الجمع
وإن كانا صنفين ، وهذا الجواز كله في المذهب على جهة الرضا . وأما في واجب الحكم فلا
تنقسم كل صبرة إلا على حدة ، وإذا قسمت كل صبرة على حدة جازت قسمتها بالمكيال
المعلوم والمجهول ، فهذا كله هو حكم القسمة التي تكون في الرقاب .
بداية المجتهد ونهاية المقتصد — صفحة 217
مساهمون: أبو الوليد محمد بن أحمد الأندلسي (ابن رشد)
ص٢١٧