المنفعة بينهما تكون على نسبة أصل الشركة . وعمدة أهل العراق تشبيه الشركة بالقراض ،
وذلك أنه لما جاز في القراض أن يكون للعامل من الربح ما اصطلحا عليه ، والعامل ليس
يجعل مقابله إلا عملا فقط كان في الشركة أحرى أن يجعل للعمل جزء من المال إذا كانت
الشركة مالا من كل واحد منهما وعملا ، فيكون ذلك الجزء من الربح مقابلا لفضل عمله
على عمل صاحبه ، فإن الناس يتفاوتون في العمل كما يتفاوتون في غير ذلك .
وأما الركن الثالث : الذي هو العمل ، فإنه تابع كما قلنا عند مالك للمال فلا يعتبر بنفسه ،
وهو عند أبي حنيفة يعتبر مع المال ، وأظن أن من العلماء من لا يجيز الشركة إلا أن يكون مالاهما
متساويين التفاتا إلى العمل . فإنهم يرون أن العمل في الغالب مستو فإذا لم يكن المال بينهما
على التساوي كان هنالك غبن على أحدهما في العمل ، ولهذا قال ابن المنذر : أجمع العلماء على
جواز الشركة التي يخرج فيها كل واحد من الشريكين مالا مثل مال صاحبه من نوعه : أعني دراهم
أو دنانير ، ثم يخلطانهما حتى يصيرا مالا واحدا لا يتميز . على أن يبيعا ويشتريا ما رأيا من أنواع
التجارة ، وعلى أن ما كان من فضل فهو بينهما بنصفين ، وما كان من خسارة فهو كذلك ، وذلك
إذا باع كل واحد منهما بحضرة صاحبه ، واشتراطه هذا الشرط يدل على أن فيه خلافا ، والمشهور
عند الجمهور أنه ليس من شرط الشركاء أن يبيع كل واحد منهما بحضرة صاحبه .
القول في شركة المفاوضة
واختلفا في شركة المفاوضة ، فاتفق مالك وأبو حنيفة بالجملة على جوازها ، وإن كان
اختلفوا في بعض شروطها ، وقال الشافعي : لا تجوز . ومعنى شركة المفاوضة أن يفوض كل
واحد من الشريكين إلى صاحبه التصرف في ماله مع غيبته وحضوره ، وذلك واقع عندهم في
جميع أنواع الممتلكات . وعمدة الشافعي أن اسم الشركة إنما ينطلق على اختلاط الأموال ، فإن
الأرباح فروع ، ولا يجوز أن تكون الفروع مشتركة إلا باشتراك أصولها ، وأما إذا اشترط كل واحد
منهما ربحا لصاحبه في ملك نفسه فذلك من الغرر ومما لا يجوز ، وهذه صفة شركة المفاوضة .
وأما مالك فيرى أن كل واحد منهما قد باع جزءا من ماله بجزء من مال شريكه ، ثم وكل واحد
منهما صاحبه على النظر في الجزء الذي بقي في يده . والشافعي يرى أن الشركة ليست هي بيعا
ووكالة . وأما أبو حنيفة فهو ههنا على أصله في أنه لا يراعى في شركة العنان إلا النقد فقط . وأما
ما يختلف فيه مالك وأبو حنيفة من شروط هذه الشركة ، فإن أبا حنيفة يرى أن من شرط
المفاوضة التساوي في رؤوس الأموال ، وقال مالك : ليس من شرطها ذلك تشبيها بشركة
العنان ، وقال أبو حنيفة ، لا يكون لأحدهما شئ إلا أن يدخل في الشركة . وعمدتهم أن اسم
المفاوضة يقتضي هذين الامرين ، أعني تساوي المالين وتعميم ملكهما .