بالعدد على هذه المحال التي ورد العدد فيها . وأما من رجح الظاهر على المفهوم ، فإنه عدى
ذلك إلى سائر النجاسات . وأما حجة أبي حنيفة في الثلاثة ، فقوله عليه الصلاة والسلام :
إذا استيقظ أحدكم من نومه ، فليغسل يده ثلاث قبل أن يدخلها في إنائه
الباب السادس في آداب الاستنجاء
وأما آداب الاستنجاء ودخول الخلاء ، فأكثرها محمولة عند الفقهاء على الندب ، وهي
معلومة من السنة ، كالبعد في المذهب إذا أراد الحاجة ، وترك الكلام عليها ، والنهي عن
الاستنجاء باليمين ، وألا يمس ذكره بيمينه ، وغير ذلك مما ورد في الآثار ، وإنما
اختلفوا من ذلك في مسألة واحدة مشهورة ، وهي استقبال القبلة للغائط والبول ، واستدبارها
، فإن للعلماء فيها ثلاثة أقوال : إنه لا يجوز أن تستقبل القبلة لغائط ، ولا بول أصلا ، ولا في
موضع من المواضع وقول : إن ذلك يجوز بإطلاق . وقول إنه يجوز في المباني ، والمدن ، ولا
يجوز ذلك في الصحراء ، وفي غير المباني والمدن . والسبب في اختلافهم هذا : حديثان متعارضان
ثابتان : أحدهما : حديث أبي أيوب الأنصاري أنه قال عليه الصلاة والسلام : إذا أتيتم الغائط
فلا تستقبلوا القبلة ، ولا تستدبروها ، ولكن شرقوا ، أو غربوا . الحديث الثاني حديث عبد الله بن
عمر أنه قال ارتقيت على ظهر بيت أختي حفصة ، فرأيت رسول الله ( ص ) قاعدا لحاجته
على لبنتين مستقبل الشام مستدبر القبلة . فذهب الناس في هذين الحديثين ثلاثة مذاهب .
أحدها : مذهب الجمع . والثاني : مذهب الترجيح . والثالث : مذهب الرجوع إلى البراءة
الأصلية إذا وقع التعارض ، وأعني بالبراءة الأصلية عدم الحكم . فمن ذهب مذهب الجمع
حمل حديث أبي أيوب الأنصاري على الصحارى ، وحيث لا سترة ، وحمل حديث ابن عمر على
السترة ، وهو مذهب مالك . ومن ذهب مذهب الترجيح ، رجح حديث أبي أيوب ، لأنه
إذا تعارض حديثان : أحدهما فيه شرع موضوع ، والاخر موافق للأصل الذي هو عدم الحكم ،
ولم يعلم المتقدم منهما من المتأخر ، وجب أن يصار إلى الحديث المثبت للشرع لأنه وقد
وجب العمل بنقله من طريق العدول ، وتركه الذي ورد أيضا من طريق العدول ، يمكن أن
يكون ذلك قبل شرع ذلك الحكم ، ويمكن أن يكون بعده ، فلم يجز أن نترك شرعا وجب
العمل به بظن من لم نؤمر أن نوجب النسخ به ، إلا لو نقل أنه كان بعده فإن الظنون التي تستند
إليها الاحكام محدودة بالشرع : أعني التي توجب رفعها ، أو إيجابها ، وليست هي أي ظن
اتفق ، ولذلك يقولون إن العمل ما لم يجب بالظن ، وإنما وجب بالأصل المقطوع به
، يريدون بذلك الشرع المقطوع به الذي أوجب العمل بذلك النوع من الظن ، وهذه الطريقة
التي قلنا ها هي طريقة أبي محمد بن حزم الأندلسي ، وهي طريقة جيدة مبنية على أصول
أهل الكلام الفقهي ، وهو راجع إلى أنه لا يرفع بالشك ما ثبت بالدليل الشرعي . وأما من
ذهب مذهب الرجوع إلى الأصل عند التعارض ، فهو مبني على أن الشك يسقط الحكم ،
بداية المجتهد ونهاية المقتصد — صفحة 74
مساهمون: أبو الوليد محمد بن أحمد الأندلسي (ابن رشد)
ص٧٤