بفعله ، أو رأى أن ذلك كان خاصا ببني النضير لغزوهم قال بقول أبي بكر ، ومن اعتمد
فعله عليه الصلاة والسلام ولم ير قول أحد ولا فعله حجة عليه قال بتحريق الشجر . وإنما
فرق مالك بين الحيوان والشجر لان قتل الحيوان مثلة وقد نهى عن المثلة ، ولم يأت عنه
عليه الصلاة والسلام أنه قتل حيوانا . فهذا هو معرفة النكاية التي يجوز أن تبلغ من الكفار في
نفوسهم وأموالهم .
الفصل الرابع : في شرط الحرب
فأما شرط الحرب فهو بلوغ الدعوة باتفاق ، أعني أنه لا يجوز حرابتهم حتى
يكونوا قد بلغتهم الدعوة ، وذلك شئ مجتمع عليه من المسلمين لقوله تعالى : * ( وما كنا
معذبين حتى نبعث رسولا ) * وأما هل يجب تكرار الدعوة عند تكرار الحرب فإنهم
اختلفوا في ذلك ، فمنهم من أوجبها ، ومنهم من استحبها ومنهم من لم يوجبها ولا
استحبها . والسبب في اختلافهم : معارضة القول للفعل ، وذلك أنه ثبت أنه عليه الصلاة
والسلام كان إذا بعث سرية قال لأميرها : إذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث
خصال أو خلال فأيتهن ما أجابوك إليها فاقبل منهم وكف عنهم ، أدعهم إلى الاسلام فإن
أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم ، ثم أدعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين
وأعلمهم إن فعلوا ذلك أن لهم ما للمهاجرين وأن عليهم ما على المهاجرين ، فإن أبوا
واختاروا دارهم فأعلمهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين يجري عليهم حكم الله الذي
يجري على المؤمنين ، ولا يكون لهم في الفئ والغنيمة نصيب إلا أن يجاهدوا مع
المسلمين ، فإن هم أبوا فادعهم إلى إعطاء الجزية ، فإن أجابوا فاقبل منهم وكف عنهم ، فإن
أبوا فاستعن بالله وقاتلهم وثبت من فعله عليه الصلاة والسلام أنه كان يبيت العدو ويغير
عليهم مع الغدوات فمن الناس - وهم الجمهور - من ذهب إلى أن فعله ناسخ لقوله وأن
ذلك إنما كان في أول الاسلام قبل أن تنتشر الدعوة بدليل دعوتهم فيه إلى الهجرة . ومن
الناس من رجح القول على الفعل ، وذلك بأن حمل الفعل على الخصوص ، ومن استحسن
الدعاء فهو وجه من الجمع .
الفصل الخامس : في معرفة العدد الذين لا يجوز الفرار عنهم
وأما معرفة العدد الذين لا يجوز الفرار عنهم فهم الضعف ، وذلك مجمع عليه لقوله
تعالى : * ( الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا ) * الآية . وذهب ابن الماجشون
ورواه عن مالك أن الضعف إنما يعتبر في القوة لا في العدد ، وأنه يجوز أن يفر الواحد عن