ما حكيناه عن ابن عمر . واختلفوا في تحري صيامه تطوعا ، فمنهم من كرهه على ظاهر
حديث عمار من صام يوم الشك ، فقد عصى أبا القاسم ومن أجازه ، فلانه قد روي أنه
عليه الصلاة والسلام صام شعبان كله ولما قد روي أنه عليه الصلاة والسلام قال :
لا تتقدموا رمضان بيوم ، ولا بيومين إلا أن يوافق ذلك صوما كان يصومه أحدكم فليصمه .
كان الليث بن سعد يقول : إنه إن صامه على أنه من رمضان ، ثم جاءه الثبت أنه من رمضان ،
أجزأه ، وهذا دليل على أن النية تقع بعد الفجر في التحول من نية التطوع إلى نية الفرض .
وأما يوم السبت ، فالسبب في اختلافهم فيه : اختلافهم في تصحيح ما روي عنه أنه عليه
الصلاة والسلام قال : لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم خرجه أبو داود
قالوا : والحديث منسوخ نسخه حديث جويرية بنت الحارث أن النبي عليه الصلاة والسلام
دخل عليها يوم الجمعة ، وهي صائمة ، فقال : صمت أمس ؟ فقالت : لا ، فقال : تريدين أن
تصومي غدا ؟ قالت : لا ، قال : فأفطري . وأما صيام الدهر ، فإنه قد ثبت النهي عن
ذلك ، لكن مالكا لم ير بذلك بأسا ، وعسى رأي النهي في ذلك ، إنما هو من باب خوف
الضعف ، والمرض . وأما صيام النصف الآخر من شعبان : فإن قوما كرهوه ، وقوما أجازوه ،
فمن كرهوه ، فلما روي من أنه عليه الصلاة والسلام قال : لا صوم بعد النصف من شعبان
حتى رمضان . ومن أجازه ، فلما روي عن أم سلمة قالت ما رأيت رسول الله ( ص ) صام
شهرين متتابعين إلا شعبان ، ورمضان ولما روي عن ابن عمر قال : كان رسول الله ( ص )
يقرن شعبان برمضان وهذه الآثار خرجها الطحاوي . وأما الركن الثاني : وهو النية ، فلا
أعلم أن أحدا لم يشترط النية في صوم التطوع ، وإنما اختلفوا في وقت النية على ما تقدم .
وأما الركن الثالث : وهو الامساك عن المفطرات ، فهو بعينه الامساك الواجب في الصوم
المفروض ، والاختلاف الذي هنالك لاحق هنا . وأما حكم الافطار في التطوع ، فإنهم
أجمعوا على أنه ليس على من دخل في صيام تطوع ، فقطعه لعذر قضاء . واختلفوا إذا قطعه
لغير عذر عامدا ، فأوجب مالك ، وأبو حنيفة عليه القضاء ، وقال الشافعي ، وجماعة : ليس عليه
قضاء . والسبب في اختلافهم : اختلاف الآثار في ذلك ، وذلك أن مالكا روى أن حفصة
وعائشة زوجي النبي عليه الصلاة والسلام أصبحتا صائمتين متطوعتين ، فأهدي لهما طعام
، فأفطرتا عليه ، فقال رسول الله ( ص ) : اقضيا يوما مكانه . وعارض هذا حديث أم هانئ
قالت : لما كان يوم الفتح فتح مكة جاءت فاطمة ، فجلست عن يسار رسول الله ( ص ) وأم
هانئ عن يمينه ، قالت : فجاءت الوليدة بإناء فيه شراب فناولته ، فشرب منه ، ثم ناول أم
هانئ : فشربت منه ، قالت : يا رسول الله لقد أفطرت ، وكنت صائمة ، فقال لها عليه الصلاة
والسلام : أكنت تقضين شيئا ؟ قالت : لا . قال : فلا يضرك إن كان تطوعا . واحتج
الشافعي في هذا المعنى بحديث عائشة أنها قالت : دخل علي رسول الله ( ص ) ، فقلت : أنا
بداية المجتهد ونهاية المقتصد — صفحة 249
مساهمون: أبو الوليد محمد بن أحمد الأندلسي (ابن رشد)
ص٢٤٩