والثوري ، وابن حبيب من أصحاب مالك : إذا رؤي الهلال قبل الزوال ، فهو لليلة الماضية
وإن رؤي بعد الزوال ، فهو للآتية . وسبب اختلافهم : ترك اعتبار التجربة فيما سبيله
التجربة ، والرجوع إلى الاخبار في ذلك ، وليس في ذلك أثر عن النبي عليه الصلاة
والسلام يرجع إليه ، لكن روي عن عمر رضي الله عنه أثران : أحدهما عام ، والآخر مفسر ، فذهب قوم إلى العام ، وذهب قوم إلى المفسر : فأما العام فما رواه الأعمش عن
أبي وائل شقيق بن سلمة قال : أتانا كتاب عمر ونحن بخانقين أن الأهلة بعضها أكبر من
بعض ، فإذا رأيتم الهلال نهارا فلا تفطروا حتى يشهد رجلان أنهما رأياه بالأمس . وأما
الخاص فما روى الثوري عنه أنه بلغ عمر بن الخطاب أن قوما رأوا الهلال بعد الزوال
فأفطروا ، فكتب إليهم يلومهم ، وقال : إذا رأيتم الهلال نهارا قبل الزوال فأفطروا ، وإذا
رأيتموه بعد الزوال ، فلا تفطروا . قال القاضي : الذي يقتضي القياس ، والتجربة أن القمر لا
يرى والشمس بعد لم تغب إلا وهو بعيد منها ، لأنه حينئذ يكون أكبر من قوس الرؤية ، وإن
كان يختلف في الكبر ، والصغر ، فبعيد - والله أعلم - أن يبلغ من الكبر أن يرى ، والشمس بعد لم
تغب ب ، ولكن المعتمد في ذلك التجربة كما قلنا ، ولا فرق في ذلك قبل الزوال ، ولا بعد .
وإنما المعتبر في ذلك مغيب الشمس ، أو لا مغيبها . وأما اختلافهم في حصول العلم
بالرؤية ، فإن له طريقين : أحدهما : الحس والآخر : الخبر ، فأما طريق الحس ، فإن العلماء
أجمعوا على أن من أبصر هلال الصوم وحده أن عليه أن يصوم إلا عطاء بن أبي رباح ، فإنه
قال : لا يصوم إلا برؤية غيره معه . واختلفوا هل يفطر برؤيته وحده ؟ فذهب مالك ، وأبو
حنيفة ، وأحمد إلى أنه لا يفطر وقال الشافعي : يفطر ، وبه قال أبو ثور وهذا لا معنى له ،
فإن النبي عليه الصلاة والسلام قد أوجب الصوم والفطر للرؤية والرؤية إنما تكون
بالحس ، ولولا الاجماع على الصيام بالخبر عن الرؤية لبعد وجوب الصيام بالخبر لظاهر
هذا الحديث ، وإنما فرق من فرق بين هلال الصوم ، والفطر لمكان سد الذريعة أن لا
يدعي الفساق أنهم رأوا الهلال فيفطرون ، وهم بعد لم يروه ، ولذلك قال الشافعي : إن خاف
التهمة ، أمسك عن الأكل والشرب ، واعتقد الفطر . وشذ مالك فقال : من أفطر ، وقد رأى
الهلال وحده ، فعليه القضاء والكفارة وقال أبو حنيفة : عليه القضاء فقط . وأما طريق الخبر :
فإنهم اختلفوا في عدد المخبرين الذين يجب قبول خبرهم عن الرؤية في صفتهم ، فأما
مالك ، فقال : إنه لا يجوز أن يصام ، ولا يفطر بأقل من شهادة رجلين عدلين وقال الشافعي
في رواية المزني : إنه يصام بشهادة رجل واحد على الرؤية ، ولا يفطر بأقل من شهادة
رجلين وقال أبو حنيفة : إن كانت السماء مغيمة قبل واحد ، وإن كانت صاحية بمصر كبير ،
لم يقبل إلا شهادة الجم الغفير ، وروي عنه أنه تقبل شهادة عدلين ، إذا كانت السماء
مصحية . وقد روي عن مالك أنه لا تقبل شهادة الشاهدين إلا إذا كانت السماء مغيمة .
وأجمعوا على أنه لا تقبل في الفطر إلا اثنان إلا أبا ثور ، فإنه لم يفرق في ذلك بين الصوم ،
بداية المجتهد ونهاية المقتصد — صفحة 229
مساهمون: أبو الوليد محمد بن أحمد الأندلسي (ابن رشد)
ص٢٢٩