من أمر الشرع أن له تأثيرا في التخفيف . وقد ذهب قوم إلى أن التسمية من فروض الوضوء
واحتجوا لذلك بالحديث المرفوع ، وهو قوله عليه الصلاة والسلام : لا وضوء لمن لم
يسم الله وهذا الحديث لم يصح عند أهل النقل ، وقد حمله بعضهم على أن المراد به
النية ، وبعضهم حمله على الندب - فيما أحسب . فهذه مشهورات المسائل التي تجري من هذا
الباب مجرى الأصول ، وهي كما قلنا متعلقة إما بصفات أفعال هذه الطهارة ، وإما بتحديد
مواضعها ، وإما بتعريف شروطها ، وأركانها وسائر ما ذكر . ومما يتعلق بهذا الباب مسح
الخفين إذ كان من أفعال الوضوء .
والكلام المحيط بأصوله يتعلق بالنظر في سبع مسائل بالنظر في جوازه ، وفي
تحديد محله ، وفي تعيين محله ، وفي صفته : أعني صفة المحل ، وفي توقيته ، وفي
شروطه وفي نواقضه :
المسألة الأولى : فأما الجواز ففيه ثلاثة أقوال : القول المشهور : أنه جائز على
الاطلاق ، وبه قال جمهور فقهاء الأمصار . والقول الثاني : جوازه في السفر دون الحضر .
والقول الثالث : منع جوازه بإطلاق ، وهو أشدها ، والأقاويل الثلاثة مروية عن الصدر
الأول ، وعن مالك . والسبب في اختلافهم : ما يظن من معارضة آية الوضوء الوارد فيها
الامر بغسل الأرجل للآثار التي وردت في المسح مع تأخر آية الوضوء . وهذا الخلاف
كان بين الصحابة في الصدر الأول ، فكان منهم من يرى أن آية الوضوء ناسخة لتلك
الآثار ، وهو مذهب ابن عباس . واحتج القائلون بجوازه بما رواه مسلم أنه كان يعجبهم
حديث جرير ، وذلك أنه روى : أنه رأى النبي عليه الصلاة والسلام يمسح على الخفين
فقيل له : إنما كان ذلك قبل نزول المائدة ، فقال : ما أسلمت إلا بعد نزول المائدة .
وقال المتأخرون القائلون بجوازه : ليس بين الآية والآثار تعارض ، لان الامر بالغسل إنما
هو متوجه إلى من لا خف له ، والرخصة إنما هي للابس الخف . وقيل : إن تأويل قراءة
الأرجل بالخفض هو المسح على الخفين . وأما من فرق بين السفر والحضر ، فلان أكثر
الآثار الصحاح الواردة في مسحه عليه الصلاة والسلام إنما كانت في السفر ، مع أن السفر
مشعر بالرخصة والتخفيف ، والمسح على الخفين هو من باب التخفيف ، فإن نزعه مما
يشق على المسافر .
المسألة الثانية : وأما تحديد المحل فاختلف فيه أيضا فقهاء الأمصار . فقال قوم : إن
الواجب من ذلك مسح أعلى الخف ، وأن مسح الباطن - أعني أسفل الخف - مستحب ،
ومالك أحد من رأى هذا ، والشافعي . ومنهم من أوجب مسح ظهورهما ، وبطونهما وهو
مذهب ابن نافع من أصحاب مالك ، ومنهم من أوجب مسح الظهور فقط ، ولم يستحب
مسح البطون ، وهو مذهب أبي حنيفة وداود وسفيان وجماعة ، وشذ أشهب فقال : إن
بداية المجتهد ونهاية المقتصد — صفحة 19
مساهمون: أبو الوليد محمد بن أحمد الأندلسي (ابن رشد)
ص١٩