وذلك أن منهم من اعتمد عمل أهل المدينة ، ومنهم من اعتمد القيا س ، ومنهم من اعتمد
السماع . أما الذين اعتمدوا العمل ، فمالك وأصحابه ، وأما الذين اعتمدوا القياس ، فأبو
حنيفة وأصحابه ، وذلك أنهم قالوا : وجدنا السجدات التي أجمع عليها ، جاءت بصيغة الخبر ،
وهي سجدة الأعراف ، والنحل ، والرعد ، والاسراء ، ومريم ، وأول الحج ، والفرقان ، والنمل ،
و * ( آلم تنزيل ) * فوجب أن يلحق بها سائر السجدات التي جاءت بصيغة الخبر ، وهي التي في
ص والانشقاق ، ويسقط ثلاث جاءت بلفظ الامر ، وهي التي في * ( والنجم ) * وفي الثانية من
الحج . وفي * ( أقرأ باسم ربك ) * . وأما الذين اعتمدوا السماع ، فإنهم صاروا إلى ما ثبت
عنه عليه الصلاة والسلام من سجوده في الانشقاق ، وفي * ( اقرأ باسم ربك ) * وفي
* ( والنجم ) * خرج ذلك الحج من سجدة ؟ قال :
سجدتان . وصحيح حديث عقبة بن عامر عن النبي ( ص ) أنه قال : في الحج سجدتان وهو
قول عمر ، وعلي . قال القاضي : خرجه أبو داود . وأما الشافعي ، فإنه إنما صار إلى اسقاط
سجدة ص لما رواه أبو داود عن أبي سعيد الخدري : أن النبي عليه الصلاة والسلام قرأ ، وهو على المنبر آية
السجود من سورة ص فنزل ، وسجد ، فلما كان يوم آخر ، قرأها ، فتهيأ الناس للسجود ، فقال :
إنما هي توبة نبي ، ولكن رأيتكم تشيرون للسجود ، فنزلت فسجدت . وفي هذا ضرب من
الحجة لأبي حنيفة في قوله بوجوب السجود لأنه علل ترك السجود في هذه السجدة بعلة
انتفت في غيرها من السجدات ، فوجب أن يكون حكم التي انتفت عنها العلة بخلاف التي
ثبتت لها العلة ، وهو نوع من الاستدلال ، وفيه اختلاف ، لأنه من باب تجويز دليل
الخطاب . وقد احتج بعض من لم ير السجود في المفصل بحديث عكرمة عن ابن عباس
خرجه أبو داود : أن رسول الله ( ص ) ، لم يسجد في شئ من المفصل منذ هاجر إلى
المدينة قال أبو عمر : وهو منكر ، لان أبا هريرة الذي روى سجوده في المفصل لم
يصحبه عليه الصلاة والسلام إلا بالمدينة . وقد روى الثقات عنه : أنه سجد عليه الصلاة
والسلام في والنجم وأما وقت السجود فإنهم اختلفوا فيه ، فمنع قوم السجود في الأوقات
المنهي عن الصلاة فيها ، وهو مذهب أبي حنيفة على أصله في منع الصلوات المفروضة
في هذه الأوقات ومنع مالك أيضا ذلك في الموطأ لأنها عنده من النفل ، والنفل ممنوع
في هذه الأوقات عنده ، وروى ابن القاسم عنه أنه يسجد فيها بعد العصر ما لم تصفر
الشمس ، أو تتغير ، وكذلك بعد الصبح ، وبه قال الشافعي وهذا بناء على أنها سنة ، وأن
السنن تصلى في هذه الأوقات ما لم تدن الشمس من الغروب أو الطلوع . وأما على من
يتوجه حكمها ، فأجمعوا على أنه يتوجه على القارئ في صلاة كان ، أو في غير صلاة ،
بداية المجتهد ونهاية المقتصد — صفحة 179
مساهمون: أبو الوليد محمد بن أحمد الأندلسي (ابن رشد)
ص١٧٩