رسول الله ( ص ) يكبر في الأضحى ، والفطر ؟ فقال أبو موسى كان يكبر أربعا على الجنائز .
فقال حذيفة : صدق ، فقال أبو موسى : كذلك كنت أكبر في البصرة حين كنت عليهم .
وقال قوم بهذا . وأما أبو حنيفة وسائر الكوفيين ، فإنهم اعتمدوا في ذلك على ابن مسعود
وذلك أنه ثبت عنه أنه كان يعلمهم صلاة العيدين على الصفة المتقدمة وإنما صار الجميع
إلى الاخذ بأقاويل الصحابة في هذه المسألة ، لأنه لم يثبت فيها عن النبي عليه الصلاة
والسلام شئ ، ومعلوم أن فعل الصحابة في ذلك هو توقيف ، إذ لا مدخل للقياس في
ذلك . وكذلك اختلفوا في رفع اليدين عند كل تكبيرة ، فمنهم من رأى ذلك وهو مذهب
الشافعي ومنهم من لم ير الرفع إلا في الاستفتاح فقط ومنهم من خير . واختلفوا فيمن
تجب عليه صلاة العيد : أعني وجوب السنة ، فقالت طائفة يصليها الحاضر ، والمسافر ، وبه
قال الشافعي ، والحسن البصري ، وكذلك قال الشافعي إنه يصليها أهل البوادي ، ومن لا
يجمع حتى المرأة في بيتها . وقال أبو حنيفة ، وأصحابه : إنما تجب صلاة الجمعة والعيدين
على أهل الأمصار ، والمدائن وروي عن علي أنه قال : لا جمعة ، ولا تشريق إلا في مصر
جامع ، وروي عن الزهري أنه قال : لا صلاة فطر ، ولا أضحى على مسافر . والسبب في
هذا الاختلاف : اختلافهم في قياسها على الجمعة فمن قاسها على الجمعة ، كان مذهبه
فيها على مذهبه في الجمعة ، ومن لم يقسها رأى أن الأصل ، هو أن كل مكلف مخاطب بها
حتى يثبت استثناؤه من الخطاب . قال القاضي : قد فرقت السنة بين الحكم للنساء في
العيدين والجمعة ، وذلك أنه ثبت : أنه عليه الصلاة والسلام ، أمر النساء بالخروج للعيدين ،
ولم يأمر بذلك في الجمعة وكذلك اختلفوا في الموضع الذي يجب منه المجئ إليهما
كاختلافهم في صلاة الجمعة من الثلاثة الأميال إلى مسيرة اليوم التام . واتفقوا على أن
وقتها من شروق الشمس إلى الزوال ، واختلفوا فيمن لم يأتهم علم بأنه العيد إلا بعد
الزوال ، فقالت طائفة : ليس عليهم أن يصلوا يومهم ، ولا من الغد ، وبه قال مالك ، والشافعي ،
وأبو ثور . وقال آخرون : يخرجون إلى الصلاة في غداة ثاني العيد ، وبه قال الأوزاعي ، وأحمد ،
وإسحاق . قال أبو بكر بن المنذر : وبه نقول لحديث رويناه عن النبي عليه الصلاة والسلام :
أنه أمرهم أن يفطروا فإذا أصبحوا أن يعودوا إلى مصلاهم قال القاضي : خرجه أبو
داود ، إلا أنه عن صحابي مجهول ، ولكن الأصل فيهم رضي الله عنهم حملهم على
العدالة . واختلفوا إذا اجتمع في يوم واحد عيد ، وجمعة ، هل يجزئ العيد عن الجمعة ؟ فقال
قوم : يجزئ العيد عن الجمعة ، وليس عليه في ذلك اليوم إلا العصر فقط ، وبه قال عطاء ،
وروي ذلك عن ابن الزبير ، وعلي . وقال قوم : هذه رخصة لأهل البوادي الذين يردون
الأمصار للعيد والجمعة خاصة . كما روي عن عثمان أنه خطب في يوم عيد وجمعة فقال :
من أحب من أهل العالية أن ينتظر الجمعة ، فلينتظر ، ومن أحب أن يرجع ، فليرجع رواه
بداية المجتهد ونهاية المقتصد — صفحة 174
مساهمون: أبو الوليد محمد بن أحمد الأندلسي (ابن رشد)
ص١٧٤