أحدها : في حكمه ، والثاني : في المواضع التي ترفع فيها من الصلاة . والثالث : إلى أين
ينتهي برفعها . فأما الحكم ، فذهب الجمهور إلا أنه سنة في الصلاة وذهب داود ، وجماعة
من أصحابه إلى أن ذلك فرض وهؤلاء انقسموا أقساما فمنهم من أوجب ذلك في تكبيرة
الاحرام فقط ومنهم من أوجب ذلك في الاستفتاح ، وعند الركوع ، أعني عند الانحطاط
فيه ، وعند الارتفاع منه ومنهم من أوجب ذلك في هذين الموضعين ، وعند السجود ، وذلك
بحسب اختلافهم في المواضع التي يرفع فيها . وسبب اختلافهم : معارضة ظاهر حديث
أبي هريرة الذي فيه تعليم فرائض الصلاة لفعله عليه الصلاة والسلام ، وذلك أن حديث أبي هريرة إنما فيه أنه قال له : وكبر ولم يأمره برفع يديه وثبت عنه عليه الصلاة والسلام
من حديث ابن عمر وغيره : أنه كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة . وأما اختلافهم في
المواضع التي ترفع فيها : فذهب أهل الكوفة : أبو حنيفة وسفيان الثوري ، وسائر فقهائهم إلى
أنه لا يرفع المصلي يديه إلا عند تكبيرة الاحرام فقط ، وهي رواية ابن القاسم عن مالك .
وذهب الشافعي ، وأحمد ، وأبو عبيد ، وأبو ثور وجمهور أهل الحديث ، وأهل الظاهر إلى الرفع
عند تكبيرة الاحرام ، وعند الركوع ، وعند الرفع من الركوع وهو مروي عن مالك ، إلا أنه
عند بعض أولئك فرض ، وعند مالك سنة ، وذهب بعض أهل الحديث إلى رفعها عند
السجود ، وعند الرفع منه . والسبب في هذا الاختلاف كله : اختلاف الآثار الواردة في ذلك ،
ومخالفة العمل بالمدينة لبعضها ، وذلك أن في ذلك أحاديث : أحدها : حديث عبد الله بن
مسعود وحديث البراء بن عازب : أنه كان عليه الصلاة والسلام يرفع يديه عند الاحرام
مرة واحدة لا يزيد عليها . والحديث الثاني : حديث سالم بن عبد الله ابن عمر عن أبيه : أن رسول الله ( ص )
كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه حذو منكبيه ، وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما أيضا
كذلك ، وقال : سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد . وكان لا يفعل ذلك في السجود ،
وهو حديث متفق على صحته ، وزعموا أنه روى ذلك عن النبي ( ص ) ثلاثة عشر رجلا من
أصحابه . حديث وائل بن حجر وفيه زيادة على ما في حديث عبد الله بن
عمر : أنه كان يرفع يديه عند السجود . فمن حمل الرفع هاهنا على أنه ندب ، أو فريضة
فمنهم من اقتصر به على الاحرام فقط ترجيحا لحديث عبد الله بن مسعود وحديث
البراء بن عازب وهو مذهب مالك لموافقة العمل به ، ومنهم من رجح حديث عبد الله بن
عمر ، فرأى الرفع في الموضعين : أعني في الركوع ، وفي الافتتاح لشهرته ، واتفق الجميع
عليه ، ومن كان رأيه من هؤلاء أن الرفع فريضة ، حمل ذلك على الفريضة ، ومن كان رأيه أنه
ندب ، حمل ذلك على الندب . ومنهم من ذهب مذهب الجمع ، وقال : إنه يجب أن تجمع
هذه الزيادات بعضها إلى بعض على ما في حديث وائل بن حجر ، فإذن العلماء ذهبوا في
هذه الآثار مذهبين : إما مذهب الترجيح ، وإما مذهب الجمع . والسبب في اختلافهم : في
حمل رفع اليدين في الصلاة هل هو على الندب ، أو على الفرض ، هو السبب الذي قلناه
بداية المجتهد ونهاية المقتصد — صفحة 109
مساهمون: أبو الوليد محمد بن أحمد الأندلسي (ابن رشد)
ص١٠٩